في الشهر الثالث من عام 2011 قامت نهضة شعبٍ بعد عشرات السّنين من السّكوت والخنوع، طالبت فيها بتحسين دور الحكومة وبذل التّسهيلات وتوفير ما يلزم لحياة أفضل دون الرّكوع للفرضيات والقرارات الحكومية الصّارمة والقاسية التي تُجبر الفرد على التّنفيذ القسري تحن ظلّ ظروفٍ غامضةٍ لا يُسمعُ صداها من خارج المحور المطبّق للأوامر، وحتّى أن الشعب كان مجبراً على تنفيذ ما يُطلب دون اعتراضٍ أو تذمّرٍ سرّي لأنّ الحكومة قد زرعت مسبقاً جواسيسها بين الشعب دون علمه ليتمثّلوا كأنّهم جزء اُجبِر على ذلك مثلهم.
كانت بداية النّهضة في سوريا انطلاقاً من محافظة درعا، وذلك بخروج الأهالي في احتجاجات مندّدةً بالظلم في شوارع المدينة والتي ملئت جدران مدارسها كتابات وعباراتٍ تدلّ على ذلك.
لم يكن النّاس حاملين أسلحة ولم يتصرّفوا بشكل عنيف ضد الحكومة وإنّما بهتافاتٍ وأغصان زيتونٍ جمّلت أيديهم لتعبّر عن السّلام والحريّة.
الشّعب الشّريف من يملك لساناً شجاعاً
أ.عدنان جبنة
كل ذلك لم يلقى ترحيباً من الحكومة واستيعاب لما يحدث فقد كانت نيّتُها وهدغها الأساسي هو إخماد تلك المظاهر بأي وسيلة وعدم إظهارها للإعلام لمنع تحريض باقي الشّعب وردعه وردّه عن القيام بالتّضامن الإنساني مع إخوانهم، وقد حصل ما لم يكن في الحسبا لأنّ الحكومة بدت وكأنّها تحارب أعداءً حقيقيّين للدفاع عن أرضها واعتزازها بسيادتها كما ادّعت في ذلك الوقت، وراحت تقم النّاس بإطلاق الرّصاص عليهم دون الاكتراث لكونهم جزء من الشّعب المحكوم والذي يشارك بعضه في كلّ تقاليده وعاداته.
الشّعب السّوري يمتلك إرادة مطّاطية لأنها لا ولن تنكسر
أ.عدنان جبنة
كانت هذه الصورة تصل بكلّ صعوبة ومتأخرة لتشديد نظامه على عدم تسرّب ما يحصل للتّستُّر على جرائمه وخداع الأمة بإعلامه الذي يدّعي محاربة الإرهاب والجهات المتطرفة، لكنه صُدم بعد ذلك لأن الشّعب يعلم من هو وما هو تاريخه وخرج لنصرة إخوته في درعا تضامناً من محافظة حمص، هنا أتى دور أهل حمص بخوض التّجربة التي كانوا لا يفكّرون بها والتي أخفوها في قلوبهم من عشرات السنين خوفاً من بطش الحاكم وحرصاً على النّفوس من إراقة دمائها و إيقاعها في متاعب لا تُعرف نتائجها، ولان ذلك الحقد الأسود المكبوت على نظام الحكم مسبقاً لا يجد فرصةً للتعبير عنه خرج أهل محافظة حمص عن بكرة أبيهم كصفٍّ واحدٍ ويدٍ واحدة يجدّدون مطالب أهل درعا باسم الشّعب السّوري.
لن يحنّ عليك إلا أخاك ولن ينصرك إلا أخاك ولن يجدّد عهدك إلا أخاك
أ.عدنان جبنة
وكنت أنا شخصياً احد المطالبين بذلك تلبيةً لإخواني وخدمةً للإنسانية والمجتمع لكن كان خروجي في كلّ مرة يتطلّب عسرةً من رأي أبي لأنّه كان معترضاً على خروجي في تلك الاحتجاجات وذلك لشدّة خوفه عليّ وحرصه على نفسي أكثر مني، فقد كنت في سنّ السّابعة عشر أي أنّي بمرحلة المراهقة كما يقولون وكان حماسي يجعلني أقوم بكلّ أعمالي دون تفكيرٍ أو استماعٍ لنصائح أبي فما كان منه إلا أن اضطُرّ للخروج معي لكي أبقى بجانبه وتحت نظره ورعايته لمنع حدوث أي عملٍ متهوّرٍ من قبلي يجعلهُ نادماً طيلة حياته، ثم أصبحت كلّ عائلتي تخرج لأجلي في الاحتجاجات والمظاهرات التي تُنظّم في البلد مشاركةً فيها لتضُمّ صوتها إلى صوت إخوانها وزيادةً لأعدادِ المنتسبين للتعبير عن خروج جماعي من المنطقة لتكون من المعارضين بأكملها.
طريق الحق لا يمكن أن يوقفهُ أحد
أ.عدنان جبنة
استمرّت المطالبات والاحتجاجات عدّة شهور حتى طفح كيل أهل المنطقة لأنّهم يحصدون نتائج ألسنتهم وأفعالهم أرواحهم وأموالهم وأولادهم إمّا في عداد القتلى وإمّا من صفوف المعتقلين ومنهم أيضاً من أمض بقيّة حياته فاقداً صحّته لأنّ كان من فئة الجرحى والمصابين.
بعد سنتين من استمرار القتل والتدمير كان نصيب أبي ومصيره على تلك العصابة اظّالمة قتيلاً ومكانه بين القبور ليُسجّل رقماً جديداً ضمن قافلةِ من ضحّوا لأجل دينهم وأرضهم وعرضهم.
ما أودّ قوله بعد ذلك وبعد مضِيِّ ثمانية أعوام من الاحتجاجات المستمرّة في التّضحية والتي لم تستسلم أبداً أو تتراجع عن مطالبها بإرادة شعبٍ لا يُقهر بفضل الله وقوّته، كيف لنا أن نكون بنظر العالم ( نحن القاتل والمقتول ).