هل ضيّع السعوديون

جبل الدام؟

أثقلني الأسبوع الماضي سؤال تخففت من وطأته حينما طرحه فريق AjwadApp@ عبر انستقرام على الجيولوجي الرائع أ.عبدالله الشمري صاحب حساب SaudiGeology@ لعلنا نجد جوابه.

سؤالٌ مفاده : 


أين جبل الدام؟


لقد قرأتُ عنه في كتب الأدب وقصائد الشعراء و كتابات الرحالة البلدانيين و مذكرات المستشرقين، لكني لا أراه!

لا أجد صورُه ولا مَطلُه أو حتى موقع احداثياته! 

فأين هو مكان الجبل الذي رأت منه زرقاء اليمامة مَقدَم جيش حميّر ؟ وهل هو اصلاً المكان الذي رأت منه ؟!

أريد الوصول إليه والوقوف عليه والتحقق نظرياً ومنطقياً من مستوى الرؤية التي كانت تتمتع بها زرقاء اليمامة! والتي لازال هنالك من يشكك بقصّتها(على الأقل الجزء الأخير منها).

إذ نظرت نظرةً ليست بكاذبةٍ 

إِذ يرفعُ الآلُ (رأس الكلبِ) فأرتفعا

قالت أرى رجلاً في كفـه كـتـف
أو يخصف النعل، لهفي أيةً صنعا!

الأعشى

 تعود احداث القصة إلى أنَّ جُذمين من نسل ارم بن سام بن نوح عليه السلام وهما قبيلتّي طسم وجديس، سكنوا اليمامة وعمّروها وكانت حينئذ ذات مراتعٍ غنّاء و عيوناً جارية، وكانتا جو اليمامة(مدينة الخرج الآن)و الخرج(مدينة الدلم الآن) اخصب اقاليم اليمامة “ و اوسعها رقعة، واكثرها ماء، واشهرها انتاجاً. تلتقي فيها اودية عِظام من أكبر اودية العارض وابعدها مدى. أدرّ كنابها عيوناً جارية تفيض على هذه المنطقة وتُشبعها نماءً وخضرةً ونضرة. هذه العيون كأنها بحيرات لايُدرَك لها قعر ولا يغيض لها معين،اذا توسّطت الشمس كبد السماء وألقت اشعتها على هذه العيون الساجية، شاهدتَ تحت الماء منظراً عجباً من أنوف جبالٍ بارزة إلى مغاراتٍ موحشة وسراديب مظلمة وعمق لانهائي تتكسر اشعة الشمس دون مداه. فسبحان من له الخلق والأمر“(بن خميس،١٩٧٨م،ص٣٧١)


وكانت جو اليمامة(الخرج الآن) منافساً كبيراً لحجر (الرياض الآن) للوصف ذاته، حيث تسكن طسم حول وادي العرض(وادي حنيفة الآن)ممتداً نفوذها إلى بلاد هجر والبحرين(المنطقة الشرقية الآن)،وتسكن جديس في جو اليمامة(الخرج الآن)وماتحته (الدلم الآن).

وقد وثّق وجودهم بطليموس في جغرافيته وعنونهم باسم Jodisitae وأنّ بلادهم مزدهرة فيها افضل صنوف الشجر والأعناب، حدائق مُلتفّة وقصورٌ مصطفّة.(مهران،١٩٨٠م،ص١٤٩)


والحال أنّ طسم وجديس ابناء عمومة جدهم عمليق بن لاوذ بن إرم،كانوا طوالاً عِراضاً اقاموا حضارةً معماريةً شاهقة وشقّوا السواقي والقنوات وبنوا الحصون لحماية المستوطنات من نمو احدهما المُطَّرِد على حساب الآخر، و كان الصراع مستمراً لترجيح كفة الميزان الأقوى فكانت الغلبة لطسم. لكن بمزيد من سطوةٍ في الحكم مع ظلمٍ جائر وتفنُن في صنوف المذلة ؛ حصلتْ الشعرة القاصمة!

جاءت امرأة اسمها هزيلة من جديس إلى عمليق ملك طسم وقد خاصمت زوجها على ابنهما، تريد أن تنفصل وتأخذ الولد وهو متمسك بأبنه، فما كان من عمليق إلا أن يأخذ الولد ويرسله مع عبيده، ويبيع المرأة والرجل!

فيأخذ الرجل خمس ثمن المرأة، وتأخذ المرأة عشر ثمن الرجل 

فقالت هزيلة :

أتينا أخا طسم ليحكم بيننا

فأصدر حُكمًا في هزيلة ظالمًا

لعمري لقد حكمت لا متورعًا

 ولا فَهِمًا عند الخصومة عالمًا

ندمت فلم أقدر على متزحزح

 وأصبح زوجي مائر الرأي نادمًا

هزيلة الجديسية

فوصلت القصيدة إلى عمليق وساءهُ ماقالت، فأمر أن لاتُزف بكر إلى زوجها حتى تُحمَل إليه فيفترعها قبله! -يُذكر أن مثل هذه الممارسات كانت موجودة في الحضارات القديمة تحت مسمى(حق السيد)-


فلاقوا بذلك أشد المهانة والذل حتى خُطِبت امرأة تدعى الشموس وهيعفيرة بنت غفار اخت سيد جديس الاسود بن غفار بن جديس وحان موعد الزفاف واخذها العبيد ليزّفوها إلى عمليق قبل زوجها، وتكلّموا في ذلك كلاماً لمس عزّتها ، وخرجت من فراش عمليق ودمها يسيل وقد شقّت ثوبها من امام وخلف وانشدت قائلة :

لا أحد أذل من جديس

أهكذا يُفعل بالعروس؟

ثم أبت أن تُزف إلى زوجها وقالت محرّضةً قومها :

فلو أننا كُنا الرجال وكنتمُ

 نساءً لـكُنا لا نَقَرُّ على الذل

وإن أنتمُ لم تغضبوا بعد هذه

 فكونوا نساءً لا تفروا من الكحل

فتحرّكت نخوة أخيها الاسود بن غفّار واغتنم فرصة انفعال قومه، فأمرهم بأن يتظاهروا بالولاء والإكبار لملك طسم وأن يدعوه هو ورجال حاشيته إلى مأدبة في العراء وأن يُبقي قومه سيوفهم مدفونة في الرمال. فتمت الدعوة وجاء وقت تناول المائدة. وبينما هم كذلك؛ اذا بجديس يُخرِجون سيوفهم من الرمال ويقتلون الملك وحاشيته شر قتلة، فلم يفلت منهم إلا واحد فرّ إلى مملكة حمّير في اليمن قاصداً مَلِكَهُمحسّان بن تبّع اليماني يستنجده. فسار حسان بن تبع على رأس جيش جرار من الحمّيريين برفقة ذلك الطسمي الذي حذّرهم بأنَّ له اختاً اسمهايمامة بنت مرّةذات عينين زرقاوين-ولذلك لُقّبت بالزرقاء- ترى الراكب من على بعد ٣٠ ميل!وهي متزوجة من قبيلة جديس و الأكيد أنها ستراهم وستنذر قومها.فأقترح التُبّع اليماني أن يخرج الجيش مُمَوّهَاً بأفرع الشجر حتى يستطيعوا أن يُفاجِئوا جديس قبل أن يحتاطوا لهم.(نافع،٢٠١٧م،ص٥٢)


كما يُذكر أنَّ زرقاء اليمامة اسمها يمامة بنت سهم بن طسم.

(بن خميس،١٩٧٠م،ص١١)


لكن هذا لم يفُت على الزرقاء التي رأت رجلاً إما يخصف نعلاً أو ينهش كتفاً! فقالت لهم:

 يا جديس.. إني أرى شجرٌ يسير ! أو جاءتكم أوائل خيل حميّر !

فكذبوها قومها، فصبّحتهم حميّر وفتحوا الحصون وخرّبوا (جو) وقتّلوا اهلها وهرب الاسود بن غفار لجبلي طيء، أما الزرقاء قبض عليها تبّع اليمن وسألها كيف أبصرتهم؟ فذكرت أنها رأت رجلاً كأنه يخصف نعل أو ينهش كتف، فسأل الجنود من حوله فأجاب احدهم مؤكداً قولها :

صعدت وانقطع شراك نعلي واصابتني شوكة فعالجت اصلاحها بفمي.


فسألها كيف لها ذلك؟ فذكرت أنها تكتحل بالاثمد، فأمر بقلع عينيها واذا بعروقها محشوة بالإثمد.(السمهودي،١٩٨٦م،ص١٤٨)


فكان فناء طسم على يد جديس وجديس على يد تبّع اليماني، وكلاهما(طسم وجديس)لحقا بعاد وثمود وصاروا من العرب البائدة.

والسؤال الآن :

إنْ صحت القصة؛ هل يُعقل أن تكون فعلاً رأتهم؟


صحيح أنهم طوالٌ عراضٌ جِسام، وببنية جسدية حيوية اقوى، لكن العين تبقى عين والأذن تبقى اذن واللسان يبقى لسان ولم يُعرف بأن احداً من المجامع البشرية السابقة زاد عنّا في سمع او بصر!! و أنا هنا لا انفي عنها (قوة البصر) قد تكون فعلاً كذلك، لكن الأكيد أنها كانت في مكان قريب أو على الاقل ملائم للرؤية! كما يصنع الرائي الخضيري وامثاله في رؤية الأهلة،وإن اختلفت رؤية السماء عن الأرض لكن المبدأ واحد (اتخاذ مكان ملائم).


و بالتالي : أين هو المكان الذي رأتهم منه؟

المؤكد أنها رأتهم عند جبل رأس الكلب بحسب ماورد في نصوص الأدب والمعاجم نقلاً عن بلدانيون و رحّالة ومحققون استطاعوا نقل وتناول(بعض)من اخبار ومعالم شبه الجزيرة العربية، أما مِن أين رأتهم؟فيذكر الهمداني في صفة جزيرة العرب التالي :

ثم القرية الخضراء خضراء حجر التي التقطها عبيد بن ثعلبة بن الدول ولم يشرك فيها أحداً، وهي حصون طسم وجديس وفيها آثارهم وحصونهم وبتلهم الواحد بتيل وهو هن مربع مثل الصومعة مستطيل في السماء من طين قال أبو مالك: لحقت منها بناء طوله مئتا ذراع في السماء قال وقيل كان منها ما طوله خمسمئة ذراع من أحدها نظرت زرقاء اليمامة إلى من نزل من جوّجان من رأس الدام مسيرة يومين وليلتين وكانت جديس تسكن الخضرمة وكانت طسم تسكن الخضراء.

الهمداني، كتاب صفة جزيرة العرب

وبتتبع اسماء الاماكن الواردة في وصفه؛ نجد أنها تبدلت وتقلّصت وقد حقّقَ في ذلك فريق الصحراء باستفاضة رائعة، خلاصة بعض ماجاء فيها :

أنّ التسميات القديمة لمعالم إقليم اليمامة هي

بلدة حِجر -الرياض الآن-

بلدة الخرج -الدلم الآن-

بلدة جو اليمامة -الخرج الآن- والتي تسمّت لفترة(الخضرمة) أو (جو الخضارم) أبان فترة الأخيضريين ثم ما لبِثَت أنْ عادت التسمية القديمة (جو اليمامة) ثم سقط اسم جو وبقي اسم (بلدة اليمامة).


وبحسب وصف الهمداني اعلاه كانت جديس تسكن الخضرمة أي (جو اليمامة)، و طسم تسكن القرية الخضراء أي (حجر)، وأنَّ زرقاء اليمامة حين رأتهم؛رأتهم مِن على(بتل) في بلدة اليمامة.

موقع بلدة اليمامة

أما بن خميس فيذكر في هامش معجم اليمامة تعليقاً على ابيات الأعشى السابقة أنّ زرقاء اليمامة نظرتمن قمة (جبل الدام) إلى قمة (جبل رأس الكلب).ثم عاد و أشار مرةً اخرى مباشرة لجزء من القصة مستحضراً أبيات الاعشى والمُتَلَمِّس.(١٩٧٨م،ص١٥و٣٧٣)


والسؤال الآن : أين هو جبل الدام؟


يذكر بن عساكر(٢٠١١م) في جولته أنه ملاصق جنوباً للعيون الثلاثة المشهورة في الخرج:عين سمحة،عين الضلع،عين أم خسية.

وبالبحث عنه في الخرائط لم اجد احداثياته، وبسؤالي لـ SaudiGeology@ اجابني مشكوراً بموقع تقريبي بناءً على جولة بن عساكر.

المصدر : SaudiGeology@

بالعودة إلى تقرير فريق الصحراء(٢٠٠٩م)، مُرفق صورة جوية اعتقد أنها منطقية واقرب للصواب:

Join