انعدام الخُلوة
تأليف: كال نيوبورت
ترجمة: أحمد العبيدالله
هذا المقال هو ترجمة لأحد أجزاء الفصل الثاني من كتاب (التخفف التقني)
لطالما كان الصراع بين الحداثة ومفهوم الخُلوة شيئاً يتم تداوله والحديث عنه من قِبل المفكرين في القرون القليلة الماضية. كتب الطبيب الإنجليزي انتوني ستور في عام ١٩٨٠ ميلادية عن شكواه من الحضارة الغربية الحديثة وأنها تجعل الوصول للسلام عن طريق الخُلوة شيئاً صعباً على الفرد. أشار ستور إلى الإبتكار الجديد آنذاك “هاتف السيارة” بأنه دليل صارخ على توغل ضوضاء التقنية في كل جانب من جوانب حياتنا. وقبل مائة عام من حديث ستور، كتب الفيلسوف الأمريكي هنري ديفيد ثورو عن شكوى مماثلة، عندما صرح في كتابه التأملي الشهير “والدن” عن إستياءه من اختراع التيليغراف: “نحن في عجلة لإرسال تيليغراف ممغنط من ولاية ماين الى ولاية تكساس، لكن لم يخطر ببالنا أن هذه الولايتين ليس لديها ما يستحق ان تتراسله فيما بينها” (المترجم: المسافة بين الولايتين تزيد على ثلاثة آلاف كيلومتر).
السؤال الذي نطرحه هنا هو، هل تقدم الهواتف الذكية ووسائل الإتصال الحديث تهديداً جديداً للخلوة غير ذلك الذي تحدث عنه هؤلاء الكُتّاب؟ إجابتي هي: نعم، وبكل تأكيد.
جميع علل العنصر البشري منشأها من عدم مقدرة أحدنا على الجلوس خالياً في غرفة ما في صمت مطبق
بليز باسكال
لتفهموا قلقي تجاه التقنية الحديثة، احب ان ابدأ أولاً باستعراض ثورة الآيبود التي بدأت في مطلع القرن الحادي والعشرين. في ذلك الوقت، كان حمل جهاز يمكّنك من الاستماع للموسيقى شيئاً نألفه، فقد انتشرت أجهزة مثل سوني واكمان وديسينت (وأجهزة أخرى مماثلة)، لكن تلك الأجهزة كان دورها محدود في حياة اغلب الناس. فقد تُستخدم في الاستماع للموسيقى عند أداء التمارين الرياضية، أو عندما تكون جالساً في المقعد الخلفي للمركبة وأنت في رحلة طويلة مع العائلة. وكان من النادر عندما تتوقف عند محطة انتظار الحافلات في التسعينات الميلادية أن تشاهد أحد الواقفين وفي أذنيه سماعات سوني سوداء وهو في طريقه الى العمل.
لكن عند بداية الألفية الجديدة، لو وقفت في ذات المحطة لرأيت مدى انتشار سماعات بيضاء معلقة في آذان من حولك. نجاح شركة ابل لم يكن فقط في بيعهم لعديد من اجهزة الآيبود، بل نجحوا أيضاً في تغيير ثقافة الاستماع الى الموسيقى من جهاز محمول إلى الأبد. كان من الشائع جداً، خصوصاً بين جيل الشباب، أن تُستخدم الموسيقى كخلفية لجميع أحداث يومهم، من خلال وضع السماعات في آذانهم عند الخروج من البيت وعدم نزعها إلا عندما ترغمك الحاجة للحديث إلى شخص آخر.
لتتضح الصورة، كل ما قدمته التقنيات التي كانت محل إنتقاد مثل تيليغراف ثورو وهاتف سيارة ستور هي طرق جديدة لقطع خلوتك مع نفسك وتعطيل افكارك بشكل محدود ولفترة محدودة، لكن الآيبود قدّم ولأول مرة إمكانية أن تكون في حالة انشغال دائمة عن الإختلاء بأفكارك. كان المزارع في زمن ثورو يقطع خلوته لفترة بسيطة من الزمن ويذهب لمركز مدينته للتحقق من وجود رسائل جديدة قادمة عن طريق التيليغراف، لكن هذه التقنية لم يكن بإمكانها أن تقطع يوم هذا المزارع وهو غارق في عمله أو منهمك في تدبير شؤونه. لقد نجح الآيبود في دفعنا إلى منطقة جديدة وغريبة على الجنس البشري في علاقته مع عقله وأفكاره.
هذه الدَفعة بدأت عندما تم تقديم جهاز الآيبود، ولكنها لم تصل لذروتها وشكلها النهائي إلا عندما تم تقديم خليفته جهاز الآيفون، أو بشكل عام، عندما تم التوصل إلى التقنية الجديدة المتمثلة بالهواتف الذكية المتصلة بالانترنت بعد عام ٢٠٠٨ ميلادية. بالفعل لقد كان الآيبود منتشراً بشكل كبير، ولكن كانت هنالك لحظات من الصعب أو المحرج أن تخرج بها جهاز الآيبود الخاص بك وتوصل السماعات بأذنيك وتستمع للموسيقى، مثل أن تكون جالساً تنتظر أن يتم إستدعائك إلى اجتماع مهم، أو أن تكون جالساً في الكنيسة ويصيبك الملل من الاستماع إلى الخطبة الطويلة. لقد نجحت الهواتف الذكية في تقديم طريقة جديدة لسحق ما تبقى من فتات خلوتنا: النظرة الخاطفة لشاشة الهاتف. عندما تزور أحدنا نسمة ملل، تأتي هواتفنا لتقديم ما ينقذنا من مللنا عن طريق التوهان في بحر من التطبيقات والمواقع التي تم تصميمها لاعطائك جرعة عاجلة ومُشبعة من أفكار أشخاص غرباء عنك. حقاً لقد أصبح من الممكن أن تجعل حياتك خالية تماماً من الإختلاء بنفسك. كان قلق ثورو وستور متمثلاً في تساؤلهم عن تأثير التقنية على استمتاعنا بمفهوم الإختلاء بالنفس، لكننا اليوم امام معضلة جديدة ألا وهي: هل من الممكن أن تنسى البشرية يوماً ما بأن الإنسان كان يختلي بنفسه؟
مما يُعقِّد الحديث عن أفول نجم الخُلوة في عصر الهواتف الذكية هو أنه من السهل أن يتم الاستهانة بتأثير وعواقب هذه الظاهرة. من الصحيح أن كثيراً من الناس يرون أنهم يستخدمون هواتفهم بشكل مفرط، إلا أنهم في الحقيقة لا يدركون مدى تغلغل الهواتف الذكية في جوانب كثيرة من حياتهم. يصف آدم آلتر أستاذ علم النفس في جامعة نيويورك هذه الحقيقة في كتابه الذي يتناول هذه الظاهرة والمعنون بـ(غير قابل للمقاومة). يقول آلتر أنه في خلال تأليفه للكتاب قرر أن يقيس مدى استخدامه لهاتفه عن طريق تحميل تطبيق (Moment) والذي يتتبع كم مرة استخدمت هاتفك في اليوم وماهي المدة الاجمالية لاستخدامك. قبل تفعيل التطبيق، قدَّر آلتر عدد المرات التي ينظر فيها إلى هاتفه بعشر مرات في اليوم، وأنه يستخدم هاتفه لمدة ساعة واحدة يومياً. بعد شهر من تحميل التطبيق، اكتشف آلتر الحقيقة التالية: أن متوسط عدد مرات نظره إلى شاشة هاتفه كانت اربعون مرة في اليوم، وانه يستخدم هاتفه لمدة اجمالية قدرها ثلاث ساعات. تواصل آلتر مع كيفين هوليش منشئ التطبيق وهو في حالة دهشة، لكن هوليش طمأنه أن استخدامه للهاتف يعادل استخدام الاغلبية من الناس، وأن الذين يستخدمون هواتفهم لأقل من ساعة يومياً يشكلون فقط ١٢٪ من محملي التطبيق! لكن هوليش ذكّر أستاذ علم النفس بأن هذه الارقام غالباً أقل من الأرقام الحقيقة لجميع مستخدمي الهواتف حول العالم، لأن اولئك الذين بادروا بتحميل تطبيق يقيس مدى استخدامهم لهواتفهم هم في الغالب ممن يعي خطورة استخدام الهاتف أكثر من غيرهم. يذكر آلتر: “هناك الملايين من مستخدمي الهواتف الذكية مغيبون تماماً عن فكرة أن يتحكموا باستخدامهم لهواتفهم أو أنهم ببساطة لا يكترثون لذلك. لهذا أتوقع أن المدة التي يقضيها أولئك المستخدمون أكثر بكثير من ثلاث ساعاتٍ في اليوم الواحد.”
الأرقام المذكورة آنفاً لا تمثل إلا الوقت الذي تقضيه في النظر إلى شاشة هاتفك، لكن عندما تضيف إليه الأوقات التي تستمع فيها إلى الموسيقى أو الكتب الصوتية أو البودكاست - والتي لا يقيسها هذا التطبيق - سيتضح لك إلى أي مدى ذهب الناس في استئصال لحظات الخُلوة من حياتهم اليومية.
ولغرض إيضاح ما نحن بصدد مناقشته، اُردف إليكم تعريف هذه الظاهرة (انعدام الخُلوة):
اصطلاحاً:
هي حالة لا تقضي فيها أي ثانية من وقتك مختلياً بأفكارك، متحرراً من أي شكل من أشكال المُدخلات من عقول الناس.
حتى تسعينات القرن الماضي، كان الوصول إلى هذه الحالة مما يشق على المرء. سواءاً احببت ذلك أم كرهته، فقد كان لزاماً عليك أن تختلي بأفكارك في مواقف كثيرة مثل وقوفك في طابور، أو وجودك في زحمة قطار الأنفاق، أو مشيك في أحد شوارع مدينتك، أو حتى عند تشذيبك لفناء منزلك. اليوم، حالة انعدام الخُلوة أصبحت الحالة الافتراضية للسواد الأعظم من البشرية.
ويبقى سؤال هذه المرحلة: هل انتشار هذه الحالة من انعدام الخُلوة شئ يدعو للقلق؟ تختلف الإجابة على هذا السؤال جذريا عندما ننتقل بتفكيرنا من حالة البداهة إلى حالة نتعمق فيها أكثر في ما وراء هذه الظاهرة. فعند تجريد فكرة الاختلاء والوحدة ستظهر لنا بشكلها المنفر، والذي يدعمه ما تم تسويقه لنا خلال العقدين الماضيين من الزمن بأن المزيد من الاتصال أفضل من قليله. ففي خضم إعلان طرح أسهم شركته للمساهمين في ٢٠١٢، قال مارك زكربيرج صاحب موقع فيسبوك مزهّواً بمنتجه: “لقد أُنشأ فيسبوك لتحقيق مهمة اجتماعية، ألا وهي فتح هذا العالم على بعضه وجعله في حالة اتصال دائمة.”
بلا شك أن الهوس المستجد بحالة الاتصال هذه يبدو أنه مبالغ فيه، ومن السهل استنباط الدافع وراء هذه المبالغة. ولكن عندما ننظر الى حالة انعدام الخُلوة ومخاطرها، نرى بأن إعطاء الاتصال الدائم أولوية على حساب صفاء البال المفضي إلى تفكير عميق هو مما يجب أن نتنبه له ونعي خطورته*. فعندما تتجنب الاختلاء بنفسك فإنك تضيع فوائد عدة للخلوة، منها: القدرة على رؤية المشاكل المعقدة بشكل واضح، التحكم بمشاعرك، بناء قاعدة أخلاقية متينة، وتقوية العلاقات الحقيقية. فأنت عندما تعاني من انعدام الخُلوة ستفقد مكونات اساسية لحياة طيبة.
*مخاطر انعدام الخُلوة تمت مناقشتها بإسهاب في جزء يسبق هذا الجزء في الكتاب، الرجاء الرجوع للكتاب للاستزادة حيث أنه لا يسع المجال لذكرها في هذا المقال.
بطرد لحظات الاختلاء بالنفس تبدّت لنا عواقب سلبية لم تكن بالحسبان، ولفهم هذه العواقب بشكل أوضح سننظر في فئة غالت وتطرفت في استخدام التقنية الحديثة. عند دراسة أثر الاتصال الدائم، نجد حالة التطرف واضحة ومتبدّية عند أولئك الذين ولدوا بعد عام ١٩٩٥ ميلادية، أول جيل يبدأ فترة مراهقته غارقاً في وفرة من وسائل تقنية لا تضاهى، هواتف ذكية وأجهزة تابلت مزودة باتصال إنترنت لا ينقطع. فبالاعتماد على عدد من الدراسات التي تتوافق مع ما يقوله آباء ومعلمي هذا الجيل، يمكننا وبكل ارتياح أن نصف استخدامهم لهواتفهم بكلمة دائم. وإنّا إذ نَصِف استخدامهم بهذه الكلمة فإنّا لا نقصد المبالغة، ففي دراسة أجريت عام ٢٠١٥ عن طريق مركز دراسات الإعلام الكائن في سان فرانسيسكو، فإن المراهقين يستخدمون هواتفهم لإرسال المحادثات وتصفح وسائل التواصل الاجتماعي بما يعادل تسع ساعات يومياً! فعندما ننظر لهذا الجيل بحثاً عن آثار هذه الظاهرة فإننا نكون كمَثَل العامل في مصانع الفحم عندما يسترق النظر إلى طيور الكناري في سقف المصنع، فبالنظر إلى أن مقاومة هذه الطيور لأثر الغازات السامة أقل من مقاومة العامل، فسقوط الطيور من سقف المصنع دليل على انتشار غاز سام في المصنع، الامر الذي سينقذ حياة العامل، إن تنبه له.
وإني أطلعك عزيزي القارئ أني قد لاحظت سقوط شبابنا قبل بضع سنوات من كتابة هذا الكتاب. ابتدأ الأمر عندما كنت أتحدث مع رئيسة وحدة الصحة النفسية في أحد الجامعات المرموقة بعد إلقائي لمحاضرة فيها، أخبرتني بأنها بدأت بملاحظة تحول مفاجئ في صحة الطلاب النفسية. حتى وقت قريب، كانت المشاكل النفسية التي تدفع الطلاب لطلب المساعدة من الوحدة النفسية تتلخص في افتقادهم لدفئ عوائلهم أو الأمراض النفسية الناتجة عن سوء التغذية والاكتئاب و بعض الأمراض العصبية. وفي ليلة وضحاها، ابتدأت أعداد الطلاب المتوافدين على المركز بالتزايد بشكل غير مسبوق، وغدت مشاكلهم السابقة المتنوعة وكأنها شبه معدومة بعد أن ألقى بظلاله وأحكم سطوته عليهم اضطراب لم يكن على خارطة الطلاب النفسية: القلق.
قالت لي بأنه غدا من الواضح أن جميع زوارنا يعانون من شكل من أشكال القلق. وعندما سألتها عن رأيها عن سبب هذه المشكلة أجابت وبدون تردد أن الأمر له علاقة بانتشار الهواتف الذكية. حيث أنه بدأ في الظهور بين هذه المجموعة من الطلاب، أولئك الذين شهدوا هذه الثورة التقنية وبزوغ نجم وسائل التواصل الاجتماعي. لاحظت هذه السيدة كيف كان هذا الجيل من الطلاب يتبادل بشكل هستيري الرسائل النصية طوال الوقت خلال وجودهم في الجامعة. تضيف أخيراً: من الجلي أن حالة الاتصال الدائم هذه قد عبثت بالفعل بعقول الطلاب.
ثم تمضي السنون، لتأكد دراسة أجرتها جين توينج أستاذ علم النفس في جامعة سان دييغو ما ذكرته مسؤولة الصحة النفسية المذكورة سابقاً. تعد توينج من أبرز من درس الفروق بين جيل الشباب والأجيال الأخرى في الولايات المتحدة. تذكر توينج في مقالتها المنشورة في صحيفة الاتلانتك عام ٢٠١٧ ميلادية أنها عكفت على دراسة هذه الفروق الجيلية لمدة تزيد على خمساً وعشرون عاماً، وأنها كانت دائما تزداد حدةً بشكلٍ متدرج. حتى عام ٢٠١٢، عندما لاحظت الباحثة قفزة غير مسبوقة في نتائج المقاييس التي كانت تحدد الحالة الشعورية للجيل الجديد من الشباب. تقول توينج: “لقد تحول الخط الأفقي الآخذ في الارتفاع بشكل متدرج على سطح الرسوم البيانية إلى جبال شاهقة وأودية ساحقة، هذا التغير لم أشهد مثله في أي جيل منذ جيل ثلاثينيات القرن الماضي، وهو أول جيل تتوفر لدينا بيانات عن سلوكه.”
اظهر جيل الشباب المولود بين عام ١٩٩٥ و ٢٠١٢ ميلادية والذي تطلق عليه توينج لقب “جيل آي” فروقات لم يوجد لها نظير في أي جيل سبقه، الفرق الاكثر اضطراباً هو انحدار الصحة النفسية الملاحظ بين أفراد هذا الجيل. فقد نقلت توينج أن معدلات الانتحار والاكتئاب قد بلغت عنان السماء، وبالنظر إلى انتشار القلق بين هذا الجيل ترى توينج أن هذا الجيل على شفا حفرة من الوقوع في أسوء أزمة اضطرابات نفسية شهدتها البشرية منذ عقود.
ما الذي أشعل شرارة هذه الأزمة المحتملة؟ تؤكد توينج اتفاقها مع حدس موظفة وحدة الصحة النفسية المذكورة أعلاه بأن نشأة هذه الأزمة تتوافق تماماً مع الفترة التي أصبح من الشائع على الفرد الامريكي أن يمتلك هاتفاً ذكياً في جيبه. تضيف ايضاً أن ما ينفرد به جيل آي هو أنه الجيل الوحيد الذي لا يتذكر وقتاً لم يكن فيه الاتصال بالانترنت متاحاً كل الوقت. تختم حديثها بقولها: “إن جيل آي يدفع ثمن اتصاله الدائم هذا، ولكن العملة هنا هي بقايا صحته النفسية.”
نختم هذا الجزء بتقرير الصحفي في مجلة النيويورك تايمز بينويت لويس الذي قال إن وباء القلق بين المراهقين لا يمكن أن تشرحه سوى النظرية القائلة بأن الهواتف الذكية هي المسبب الأول لهذا الوباء. يقول لويس: “إن الأطفال والمراهقين كانت تمر عليهم لحظات قلق قبل أن يتم تطوير تطبيق الانستغرام على سبيل المثال، لكن ما استجد الآن أن الآباء أصبحوا مدركين لهذا الارتفاع في معدلات القلق، وإنهم يعرفون مصدرها. فهم يعزون هذا الارتفاع إلى عادات أبنائهم الرقمية مثل تبادل الرسائل النصية طوال الوقت، وكتابة منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي، والهوس بمتابعة حياة أقرانهم التي لا تخلو من تزييف.”
اعتقد لويس أن نظرة الأبناء لمزاعم آبائهم ستكون قاصرة، وإنها ستُواجَهُ بالإهمال واعتبارها حماية زائدة وشكوى معتادة من قِبَل الآباء، ولكن تلك لم تكن الحقيقة. فقد تفاجأ لويس بأن الأبناء كانوا على اتفاق تام مع ما قاله الآباء! فقد قال أحد الطلبة الزائرين لمركز علاج القلق في سكن إحدى الجامعات: “أعلمُ أن وسائل التواصل الاجتماعي هي أدوات، لكنها تحولت إلى شيئ غريب لا يمكننا العيش بدونه، وفي نفس الوقت فإنّا نرى بأن العيش معه يقودنا نحو الجنون.”
وكجزء من تقريره، التقى لويس باستاذة علم النفس توينج التي أكدت بدورها أن اختيارها لتفسير موجة القلق بانتشار الهواتف الذكية لم يكن بسبب سهولته وبداهته، ولكنه التفسير الوحيد المنطقي في وقتنا هذا. فالعديد من الضغوط كانت متواجدة منذ سنين مثل الأحداث الصعبة التي تدور حول الطلبة والضغط الاكاديمي الذي يواجهوه بشكل مستمر. العامل الوحيد الذي شهِد تغييراً جذرياً هو أعداد الطلبة الذين يمتلكون هواتف ذكية. تقول توينج: “لدينا ما يكفي من الأدلة على دعوانا بربط ازمة القلق بالهواتف الذكية ما يكفي لأن يكون في مذكرة اعتقال من تسبب في ذلك، لا بل يمكننا أن نستخدم ادلتنا هذه حتى لإدانته!” ولنعرف مدى إيمان توينج بربطها هذا، فقد عنونت مقالتها المنشورة في صحيفة الاتلانتك بالسؤال التالي:
"هل دمرت الهواتف الذكية جيلاً بأكمله؟”
لنعد أخيراً لمثال طيور الكناري ومعمل الفحم، فقد كشفت لنا الآثار المدمرة للهواتف الذكية على جيل آي أن انعدام الخُلوة اصبح خطراً علينا جميعاً. عندما استأصلت فئة كاملة لحظات الخُلوة من اوقاتها غدت صحتها النفسية مكشوفة للقلق يلعب بها كيف شاء. وعندما نمعن النظر بالأمر نجد أنه من المنطقي أن يهجم القلق على الانسان عندما يفقد الشخص القدرة على فهم ومعالجة مشاعره، أو أن يفكر ملياً في نفسه وما هو المهم حقاً في هذه الحياة، أو أن يبني علاقات قوية، أو حتى أن يترك المجال لعقله أن يبطئ عجلة دورانه الاجتماعية، والتي لا ينبغي لها أن تكون في حالة دوران دائمة.
قد يفشل كثير من أفراد الجيل القديم بمواكبه جيل آي في سرعة اتصالهم وديمومته، ولكنهم مع ذلك لم يسلموا من براثن القلق، فقد صرح لي بعض قرائي بأنهم عقدوا هدنة وصلح مع صوت القلق الخفي والذي أصبح يرافقهم طيلة يومهم. ولكنهم يتوهمون اسباباً اخرى لهذا القلق مثل الركود الاقتصادي لعام ٢٠٠٩ او انتخابات عام ٢٠١٦ أو أن يقولوا ببساطة أن هذا القلق هو ما يرافق أي شخص بالغ مسؤول. لكنك عندما تبدأ باستكشاف مناقب الاختلاء بأفكارك، ثم ترى الآثار الهدامة لانعدامها عند أولئك الذين هجروا عادة الخُلوة، فإنه ستتخلق لديك حقيقة واضحة:
أننا بحاجة للاختلاء بأنفسنا لنزدهر كبشر، وأننا في ما مضى من السنين وبغير إدراك منّا، حُرِمنا وبشكل ممنهج من هذا المكون الأساسي في حياتنا.