لكني أفقدُ جُليبيبًا !

يأسرني هذا الخبر، ويأخذ بمجامع قلبي إلى حبيبي وسيدي رسول الله -ﷺ-، الذي ما ترك خصلةً من خِصال الخير إلا وعلَّمنا إيّاها بقولٍ أو فعلٍ أو تقرير !


لقد كان فتىً منهم يُقال لهُ جُليبيب -رضي الله عنه- نشأ في مدينة العرب إبّان العهد النبوي، كانَ عزيزُ النّفس، يسير الحَال، دَائمُ البَهجة والتّفاؤُل، ليس لهُ مِن حُطَام الدُّنْيا سِوَى تِلْكَ الابتسامات، والرُّوح المَرِحَة التي يُداعب بِها مَن يُلَاقِي !


وعلى عِظم نفسه، وسُمو رُوحه، فقد أهداه الدهرُ أسمالًا خفافًا، لا تقيه بردًا، ولا يختال بها زهوًا، كلما فتقتها الأيام، رتقتها حانيات الدهر بخيطٍ واهن، وكُلّما تودَّد لصروف الزمان بصنعة ومداراة تلقفته بأيدٍ قوية عليه، رحيمة بغيره، وقد تساوى سَبِيل الفَقْر أمام مُرتاديه، ليُوحِي لِتَلْكَ الأَيّام أَنْ لَيْسَ للفُقَرَاء وَسْمٌ، سِوَى أنّهم يتشابهُونَ في معالم الفقر..


وكَمْ فِي دُنْيا النّاس مثلك!

حتّى اسمك لَمْ تَتّسِع لهُ فُسحة الأَسْمَاء، فصُغِّرَ ليُنَاسِب مَوضع نَظَر مَن يُغمض فيه، غَيْرَ أَنّكَ - لَو تَدْرِي - حَبِيبُ مَنْ، وأي حَبِيب تَكُون !


كانَ جليبيبٌ مولىً من الصحابةِ مغمورٌ، لم يُعرفْ إلا باسمِه المُفْرَدِ المجرَّدِ غيرَ منسوبٍ، وكان يعيشُ حياةً خافتةً من بريقِ الشّهرةِ، بعيدةً عن حظوةِ الجاهِ؛ فلم يكن ممنْ يُؤْبَهُ لحضورِه إنْ حضرَ، ولا يُفتقدُ إن غابَ، وقد ابتلاه اللهُ بدمامةٍ في وجهِه، غيرَ أنَّ إيمانَه باللهِ ورسولِه صلى الله عليه وسلم وصِدْقَ بذلِه وتضحيتِه كانت أسبابَ حظوةٍ له عندَ اللهِ؛ رَفَعَ بها قدْرَه، وخلَّدَ ذِكْرَه، وأجرى له بها أجرًا غيرَ ممنونٍ، وغدتْ سيرتُه على وجيزِ سَرْدِها في دواوينِ الآثارِ برَكةً من بالغِ العظاتِ والعبرِ..


ناداه الحبيب -ﷺ- ذات مرة قائلًا:

(يا جليبيب، ألا تتزوج)؟


التفت إلى النبي -ﷺ- مندهشاً وكأنّ لسان حاله يقول:

أي منزلة أنزلك الدهر فيهتم لأمرك رسول الله!

فيسارع مُجِيبًا:

يا رسول الله، ومن يزوجني؟

فردّ عليه -ﷺ- قال: (أنا أزوجك يا جليبيب)..


فمضى الرسول في شأنه حتّى زوّجَه..


يقول الراوي للحديث:

ولستُ أدري أطال أمد الزواج أم قصر؛ إِذْ لَبَّى الرّجُل مُنَادِي الجِهَاد، فخرج تاركًا أليفته ريثما يعود إليها قريبًا، أو يقضي الله أمرًا كان مفعولًا..

وقضى الله الأمر، وقضى الرّجل النّحب، وقُتِلَ جُليبيب، مودعًا قلبًا يَذْرِفُ مِن أَحْشَائِهِ دَمْعاً نَبِيلًا ينعى الأَلِيفَ بِحُرقَةٍ وأَسَىٰ، ويستعير مِنْ ذِكْرَيَات الحَيَاة ما يُسلِّي وحدته..


وبعد أن وضعَت الحَربُ أوْزَارَها، وأفاء الله على رسوله والمؤمنين، سأل -ﷺ- أصحابه:

(هل تفقدون من أحد؟)

قالوا: نعم، فلانًا وفلانًا وفلانًا،

فيقول -ﷺ- بأبي وأمي هو:

(لكني أفقد جليبيبًا، فاطلبوه!)..


فبحثوا بين القَتْلَى حتّى وجدوه..


فَأُتِيَ بِه إلى النّبي -ﷺ- فَحَمَلَهُ عَلى سَاعِدَيه؛ وهو ينظُر إلى جثمانه الطاهر بقلب رؤوف ويقول: (هذا مني وأنا منه، هذا مني وأنا منه)..


حتّى وضعوه في قبره..

ثُمّ انصرفوا..

 

> تأمَّل هنا ..

"هل تفقدونَ من أحد؟" ... "لكني أفقدُ جُليبيبًا!" ...


ربما كان جُليبيب رَجُلًا يَسِير الحَال لا يُؤبَه لَه، ولا يَهتمُّ لأمرهِ أحد..


ولكن النبي -ﷺ- يسأل عنه وكأنّه يُعلمنا أنَّ من حق أخيك عليك أن تتفقده، وتسأل عنه!

فكلّما زاد إيمان المرء زادت رحمته ورِفقه بإخوانه، وحرصه على مواساتهم، وتخفيف آلامهم وهمومهم!


ربما لا يبدو لك من أخيك شيء، ولكنه بين جُدران بيته يتألم وحيدًا، تنهش روحه الكُروب والهموم!


ربما كلمة طيبة منك، أو سؤال تُخفف عنه، ربما دعوة تدعوها له بصدق بِظَهر الغَيب.. تكون سببًا في التفريج عنه!


ليس مطلوب منك بذل الكثير، وإن عجزت عن قول الكلمة الطيبة له؛ فلا أقل من أن تكُفَّ أذاكَ عنه، وأن يكون مرورك عليه خفيف لطيف طيب الأثر..

لا تتحدث له بما يُحزنه ويُوغِر صدره ويزيده همًّا فوقَ همِّه!

إنْ لم تستطع أن تجرَّه بعيدًا عن السقوط،

فلا تدفعه نَحو السُّقُوط!


إن لم تستطع أن تُخَفّف عنه، فلا تزده ثِقلًا!


تَفقّد أخيك،

واعلم أن جبر الخواطر، وتطييب النفوس، والتماس الأعذار من محاسن الأخلاق وخصال الخير التي تُؤجر عليها!


وإن لم تستطع فكُفّ أذاكَ عنه، وهي صدقة منك على نفسك كما قال النبي -ﷺ-..


فكما قال يَحيى بن معاذ:

"ليكن حظُّ المؤمن منكَ ثلاثة: إن لم تنفعه فلا تضرّه، وإن لم تُفرِحهُ فلا تغُمّه، وإن لم تمدحه فلا تذُمّه"..


جعلني الله وإياكم ممن يمشي على الأرض هونًا خفيف الروح، طيب الأثر، لطيف الودّ، من

أحسن المؤمنين إيمانًا وأخلاقًا، وأرفقهم بالناس، وأنفعهم للناس..

Join