دَقَائِق الدّهر
هلّا جلست قليلاً هُنالِك في ظِلال الجَنّة، هنالك وحدك حيث لا شيء، إلا أنت في ضعفك وفقرك وربك الوهاب في غِنَاه وكَرمه وجوده وقربه!
ما بينك وبين هذا القُرب إلا حركة قلب طامع، يصبُّ طمعه في ضراعاته وأدعيته، فيُفتح له، ويشهد سَواطع الجَمَال وبَوَارق الجَلال!
هنالك، وما أدراك ما هنالك!
يَدعُو، فَيجِدُ قُرب ربّه، وسَمْعه، وعِلْمه بِحَاجَة عَبده!
فيشتاق!
نعم يشتاق، فيدعو فيشهد ربّاً كَرِيماً لا مثل لكرمهِ، جوادًا لا مثل لجوده، غفارًا لا مثل لمغفرته!
رَحِيماً تُدهِشك رَحمتُه وتَجذِبُك مِن غَفْلتك إليه!
فكأن الدُّعاء مِيلادٌ جَديد والله!
تقول لي: ذنوبي، وأخجل!
أقول لك: الدعاء مشفاك، وميقات إحرامك من ذنوبك وعيوبك، وميعاد الإذن بالدخول في حرم العناية!
ومن نظر في الخلق وجد أن الفارق بين رجل وآخر هو الدعاء!
نعم!
فمن دعا وجثا ضارعا ولم تفلت يده التشبث بطمعه في الله، أفلح وفُتِح له وبورك فيه وعليه، وسبق سبقًا بعيدا!
ومن أفلس؛ فانْغَمس فِي تُرَابه، وأَسْبَابه=كَان مَحجُوباً مَخْذُولاً؛ إِذْ كَيفَ تَطِيبُ الحَيَاة بِغَيرِ مَعرفةِ الله والحَاجَة لله، والأُنْسُ بالله، والاحتماء بالله!
نعم!
الفرقان بين شخص وآخر:
هو أن أحدهما أقبل يحمل فقره ويعلم أنه لا ملجأ من الله إلا إليه!
فَتمّ لَهُ شُهوده، وكَانَ دُعَاءَه عِيدُه، فأحبّ الدّعَاء وصَار شُغْله فِيه الدّخول على الله وليسَ مُجرّد الإِجَابة!
وأمَّا الآخر، فَسَكَت فِيهِ فَقْرُه، ونَطْقَ كِبره، وقَال أَنَا أنَا.. فَصار مَيتاً مسجوناً في سببه، محجُوباً عن ربه!
ومَن نَظَر فِي عِبَادة الخَلِيلَين سَيّدنا أَبِي القَاسم رَسُول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وسيدنا الخليل إبراهيم -ﷺ- وجدَ أنه لا يُخطئ أبداً لَهجهما بالدّعاء في كلّ مَشْهد ومَوْقف!
فإن الدّعَاء عِبَادة، والعِبَادةُ ذُلّ بِحُبّ.. والمحب لا يكفّ عَن مُنَاجَاة حَبِيبَه، ويَتَعلّل بالحَدِيث إِليه، ويتَشَوّق لِهَدَايَاه وعَطَاءَاته!
لقد خلق اللهُ الدعاءَ ليُخبركَ ألاّ تتنازل عَمَّا ذَهَبَ إليهِ قلبك ورَوْحُكَ؛ حتى يأتِيَ بِه إليك..
الدُّعَاء قوي جداً جداً..
يَتَغَيَّر القَدَر بسبب الدُّعَاء..
الدعاء أَقْوَىٰ حَتَّىٰ من القَدَر..
قَدْ تَرَىٰ مِنْ بعضهم ضَعفاً ظاهراً؛
لقلّة الأسباب الدنيوية، أو لانعدامها..
لَكِنَّهُ يملك دعوةُ مُتَضَعِّف؛ لو أَقْسَمَ عَلى الله لأَبَرّه..
دعوة متضعّف؛
تُغَيّر تقاسيم الحياة..
ومـلامـح الـواقـع..
وخرائط العالم..
فكَـمْ دَعَـوَاتْ،
فِي جَوْف الخَلَوَاتْ،
غَـيّـرَتْ مُجْرَيَـاتْ الحَـيَـاة..
كأنّ صُخُورْ الواقع والحياة والدُّنْـيَا تَتَـكَـسَّـر بـالـدُّعَـاء🤲..
وقد قيل: "الدعاء كالتُّرس؛ والبلاء كالسهم، والقضاء أمر مبهم مقدَّر في الأزل"..
وكأنّ الدعاء سِلَاحٌ يُقَاوم بِه البَلاء، فيرفعه إن كان موجُوداً، ويَدْفَعهُ إن كان غير موجود..
فَلا يَكاد يَسلم المرءُ في حَيَاته مِن التّعرض لأَنْوَاع البَلايَا، وصُنُوف المِحَن والرّزَايَا، وتَعدّد المكَارِه والمزْعِجَات..
وكَيف يَقِي الإِنْسَان نفسه وهو لا يملك لِنَفسه ومِن نَفسهِ شَيءٌ، بَل كَيفَ يَشاءُ؟!
وحَياتُه بِيد الله، وموتُه بِيَده، وسَعادتُه بيده، وشقاوته بيده، وحركاته وسكناته وأقواله وأفعاله بإذنه ومشيئته، فلا يتحرّك إِلَّا بِإذنه ولا يَفْعلُ إِلَّا بِمَشِيئَته، إِنْ وَكَله إِلى نَفْسِه وكله إِلى عَجْز وضَيْعة، وتَفْرِيط وذَنْب وخَطِيئة، وإِنْ وكلهُ إِلى غَيره وكله إلى من لا يملك له ضراً ولا نفعًا ولا موتًا ولا حياة ولا نشوراً، وإن تخلّى عنْهُ اسْتَولى عليهِ عدوه، وجعله أسيراً لَهُ، فهو لا غِنَى له عنْه طرفة عين، بَل هُو مُضطَرٌّ إِلَيهِ عَلى مَدَى الأَنْفَاس، فِي كلّ ذَرّة مِن ذَرّاتِه بَاطنًا وظَاهراً، فَاقْتُه تَامّة إِليه..
حتّى صَلاحك وصَلَاح أوْلَادك وذرّيتك وزوجُك، مرهونٌ بدعائك.. والفضل المحض الإلهي؛ "يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته"..
الدعاء مخ العبادة..
الدعاء بذاته عبادة..
الدعاء سلاح الأنبياء..
الدعاء مختصر الوصول..
الأَسْبَاب لِوَحدها لا تُغْنِي، فما يُسخّرها لك؛ ويسهل انبساطها في كفك سوى الله.. "هل من داعِ..."
والدعاء من أنفع الأدوية وهو عدو البلاء؛ يدافعه ويعالجه ويمنع نزوله ويرفعه، أو يخففه إذا نزل، وهو سلاح المؤمن..
حتى وإن رأيتَ قُطُوف الأُمْنِيَات بَعِيدَة!
سَيَأتِي بها الله؛ بدعوات الليل.. إن الله لطيفٌ خبير!
"أُقَـضّـي نَهـاري بِـالحَـديـثِ وَبِالمُنى *** وَيَـجـمَـعُـنـي وَالهَـمَّ بِـاللَيـلِ جامِعُ
في النهارِ غالباً مَشْغَلةٌ عن ذاتِك..
وأما الليلُ فأَوْبَةُ الأرْوَاحِ إلى مساكنِ "السؤالات"، وعودةُ النفسِ إلى السراديبِ المحفورةِ في الأعماقِ نفاذًا وبحثًا ونَقبًا، وتَثويرًا وتفتيشًا وثَقبًا..
وإذا كانَ الإنسانُ عالَمَ وَحدِه، ودنيا نفسِه، ففي لَيلِه ثُقوبُه السوداء، لا يُدرَى ما وراءَها ولا يَدرِي، ولا يُنقِذُه من غياهبِ ظُلُماتِها المجهولة -بعدَ لُطفِ فالقِ الإصباح- إلا انبلاجُ نورِ الصباح..
فمن لم يشاركهم في هواهم، ويذوق حلاوة نجواهم، لم يدر ما الذي أبكاهم..
ومن لم يشاهد جمال يوسف لم يدر ما الذي آلم قلب يعقوب..
مَن لَم يَبُت والحُبّ حَشُو فُؤَاده *** لَمْ يَدرِ كَيف تفتّت الأَكْبَاد
حَالُ أهل اللّيل في لَيلِهم ألذّ مِنْ أَهل اللّهوِ فِي لَهوهِم..
فَوسَطُ الليل خاص لخلوة الخواص، والسّحر عام لرفع قصص الجميع وبروز التواقيع لأهلها بقضاء الحوائج..
يا نفسُ قُومِي فَقَدْ نَامَ الوَرَى *** إِنْ تَصنَعِي الخَيرِ فَذُو العَرشِ يَرى
وأَنْتِ يَا عَينُ دَعِي عَنْكِ الكَرَى *** عِنْدَ الصَّبَاح يَحْمَدُ القَومُ السّرى
وأختمُ بِكَلام جَمِيل لابن القيم -رحمه الله- كلامٌ جامع في آداب الدعاء حيث يقول:
" وإذا اجتمع مع الدعاء حضور القلب وجمعيته بكليته على المطلوب، وصادف وقتًا من أوقات الإجابة الستة وهي: الثّلث الأخَير مِن اللّيل، وعِند الأذَان، وبَين الأَذَان والإِقَامَة، وأَدْبَارُ الصّلَوَات المكتوبات، وعند صُعود الإِمَام يَوم الجُمْعَة عَلى المنْبَر حتّى تقضى الصّلاة، وآخِرُ سَاعَة بَعد العَصر مِن ذَلك اليَوم، وصادف خشوعًا في القلب وانكساراً بين يدي الرب، وذلّاً له وتضرعًا ورقِّة، واستقبل الداعي القبلة، وكان على طهارة، ورفع يديه إلى الله تعالى، وبدأ بحمد الله والثناء عليه، ثم ثنّى بالصلاة على محمد عبده، ثم قدّم بين يدي حاجته التوبة والاستغفار، ثم دخل على الله وألحّ عليه في المسألة، وتملّقه ودعاه رغبة ورهبة، وتوسل إليه بأسمائه وصفاته وتوحيده، وقدّم بين يدي دعائه صدقة؛ فإن هذا الدعاء لا يكاد يُرد أبداً، ولا سيما إن صادف الأدعية التي أخبر النبي أنها مظنة الإجابة، أو أنها متضمنة للاسم الأعظم"..
دعوة واحدة يا صديقي بصدق، قد تختصر عليك الكثير..
وتمنحك التغيير الكبير كامل الدهر..
ستختصر عليك محيطات من البحث والتقصّي..
معظم المعارك كان مفصل التغيرات فيها هو الدعاء والالتجاء..
ولا يتقنه إلا صفوة قليلة، جعلنا الله منهم..