Image drop
مقاربة المعيارية
في يومي الأول بمدرسة الموهوبات، طلبوا منا رسم لوحة تعبر عن ماهيتنا وماهية الحياة،
وزعوا اللوحات والألوان كانت كل طالبة تَطلب لونًا اضافيًا، لونًا شمعيًا أو مائيًا فرشة اخرى جديدة أو لوحة جديدة إلا أنا طلبت علبة مناديل و كوب ومرسام .
بدأت بالرسم وقفن معلماتي خلفي يتساسرن وكل معلمة تأتيني بلون تظن أني لا أعلم بوجوده و معلمة الفني- والتي تعمل على معارضها الفنية حاليًا- طلبت أن يدعني الجميع و شئني حتى انهيت الرسمة.
لطالما كنت أحب رسم هذه الأشكال على الأوراق منذ المرحلة الابتدائية خطوط ومربعات ومثلثات ودوائر بقلم الرصاص مع الكثير من اللعب بالظلال كنت أسطرها بعلبة المناديل ثم أوزع الظلال بأصابعي وببعض المناديل كان هذا شكل الحياة وما يعبر عني رمادي وأبيض و أسود مثلثات وأضلاع ودوائر مع الكثير من الظلال.
سألتني معلمة: هل هذه هي ماهية حياتك ؟ هذا يُمثلك؟! هل انت متاكدة؟ كم عمرك يا ابنتي؟
أجبت وأنا أطيل بقامتي لأني لم أعي تهكمها: زهاء ال١٢ أنا الآن١١ لكني سأدخل ١٢ هذه السنة!
أعجبت معلمة الفني جدًا باللوحة تلمست فيني حسًا فنيًا فلسفيًا ظنت ويالا عِظم خيبتها أني أمتلك حسًا فنيًا وقد اكتشفت فنانة محتملة؛ لم تعلم أني نشأت في بيت كان به فنانة ونحاتة وكنت ألعب في مرسمها وقت الفراغ وكان هذا الفن نتاج الخبرة لا المهارة.
بيكاسو فرع الديرة
فزت في نهاية اليوم بجائزة أجمل لوحة تجريدية وطُلب مني الوقوف وشرح فلسفة رسمتي لم أستطع تبسيط معلومة أن هذا الشكل من التعبير قد يكون مألوفًا لي لا لكثرة تعرضي لبيكاسو بل لكثرة تعرضي للقط العسيري والسدو البدوي وبعدها طلبت مني المعلمة أن استخدم الألوان قبل أن تُعلّق لوحتي في جدارية المدرسة لان اللوحة التي تمثل حياتي لا يجب ان تكون بهذه الكآبة لابد أن اعيش حالة أسعد من تلك التي على اللوحة.
أجبتها: الالوان لا تناسب اللوحة !
-يعني تقبلين تصوير حياتك بهذا البؤس ؟
لا تليق الألوان لا تليق ستفسد اللوحة !
أصرت بنفس جنس ذلك الإصرار الذي يأتي بصوت كُتب تطوير الذات و أنت تستطيع تقدم للأمام نحن معك بهذا القدر من الإيجابية،
ف قمت باستخدام الألوان و صارت لوحتي شديدة البشاعة تليق بسني لكنها لا تمثلني،
لم تكن تعكس شيئا عن حياتي هي تليق بالمعايير التي يجب أن أكون عليها في عمري مثالية و ايجابية وفارغة ومصطنعة.
كانت قبل التلوين حقيقية و بائسة و فيها بعد فلسفي.
أتوق للتعرف على رسمها الحقيقي دون أي تأثير عارض على مرحلتها العمرية مالذي أثر بنوع رسمها هل كانت سترسم بهذا الشكل لو لم تنشأ مع فنانة؟
افترقت طرقنا أنا و معلمة الفني بعد ثاني سنة بعد أن اكتشفت أني لا أملك ذاك الحس الفني الذي تخيلته وأني كنت أقارب الحقيقة لا أكثر ولا أحاول محاكاة أسلوب بيكاسو لم أسعى لمقاربة مثالية معيارية لما يجب أن تكون عليه الحياة، وأني أبرع في العلوم والأبحاث أكثر من التلوين والرسم.
لكنها طرحت سؤالًا مفتوحًا وقالت: أتوق للتعرف على رسمها الحقيقي دون أي تأثير عارض على مرحلتها العمرية مالذي أثر بنوع رسمها هل كانت سترسم بهذا الشكل لو لم تنشأ مع فنانة؟!.
لطالما كنت هكذا في الرسم جيدة في الشف؛ أستطيع أن أرسم بمستوى مقبول تلك الأمور التي تتمثل أمامي، مقاربتي للصورة التي تمتثل أمامي جيدة أستطيع مقاربة الحقائق فقط، لكني لم أمتلك يومًا تلك المهارة الفنية التي تسمح لي برسم شيء عن ظهر الخيال .
علقت ذات مرة الأستاذة التي أشرفت علي في مادة تصميم الأزياء -مادة حرة في الكلية التقنية أخذتها لمتطلبات المرحلة الثانوية- قائلة: تصاميمك من أجمل التصاميم الموجودة في هذا المقرر لكن رسمك متسخ!
تحبين التظليل! لأرى كفك؛ وسحبت يدي الملطخة بالرصاص أثناء محاولتي اخفائها خلف ظهري.
ضحكت وقلت ولكن ظلال كسرات فستاني أدق من جميع التصاميم الأخرى! الوسيلة متسخة لكن النتيجة أقرب للواقع صحيح؟
ضحكت الأستاذة وقالت صحيح هاتي التصميم و نظفي يديك يا بلقيس.
وتمتمت بعدها بعبارات مفادها أن تعاملي مع الأرقام والمعادلات قد يكون أقل اتساخًا لي من التصميم - المسكينة لا تعلم بأي حال أخرج من المعمل حاليًا.
عذاباتي تقع هناك
هناك في المرات التي أقول فيها ما لا يعبر عني ما لا يمثل حقيقتي