قطة أم سمكة؟ 

أو في ضرورة التيقُّظ

جميع شخصيات القصة وأحداثها من وحي الخيال، وأيُّ تشابه بينها وبين أحداث حياتك هو من قبيل الصدفة

1

أخيرًا!


لقد وجدتَ شخص أحلامك، الشخص الذي سيُخلِّصك من مخاوف الوحدة والبؤس، الذي سيحبك ويتفهمك كما لم يفعل أهلك.


تمرُّ في مُخيلتك اللحظات السعيدة التي ستقضونها معًا: السفر إلى أماكن نائية، الذهاب إلى السينما، مشاركة صور تجمعكم في مواقع التواصل الاجتماعي لتنهمر عليكما ردود من نوع: «ريليشنشبز قولز!».


تتأمَّل شخص أحلامك، فإذا به حسَن الطلعة، أنيق الملبس، مهتم بهوايات مثيرة: يعزف على آلة موسيقية (وقد صنع لك بالفعل مقطوعةً موسيقية)، ويركب الخيول، ويتسلَّق الجبال. 


تجري الأمور على نحوٍ حسن، ربما لأسابيع أو شهور أو -إن كنتَ تعيس الحظِّ- لسنوات.


ستتراكم عندك مُلاحظات على شخص أحلامك، لكنك تُرجعها إلى تنوُّع التجربة الإنسانية. ثم من أنت لتحكم على كيف يجب أن يعيش حياته؟ لماذا لا تحترم خصوصياته؟ لذا ستصرف النظر عن هذه الشكوك.


ربما تلاحظ أنه لا يريد أن يحادثك محادثة فيديو - لا بأس، ربما هو إنسان خجول. وربما تكونان في نفس المكان، فيرفض أن يقابلك متذرِّعًا بأسباب واهية - حسنًا، ربما هو لا يحب أن تدور حوله شبهات مقابلة شخص ليس من أقاربه ولا تربطه به صلة عمل.


تتكاثر عندك هذه الملاحظات، ولكنك تجد لها جوابًا منطقيًّا؛ إذ لا تريد أن تُفسدَ -بفضولك- السعادة التي تعيشها. 


ثم يأتي اليوم المشهود. بينما تتصفح الإنستغرام، مُمرِّرًا أصبعك من صورة إلى أخرى، ترى صورةً تشبه صورةَ شخص أحلامك. تعاود النظر، تُقرِّب الصورة، ولكنك لا تُصدِّق ما تراه. ترسل الصورة إلى أحد أصحابك طلبًا لمساعدته في التعرُّف على صاحب الصورة.


صاحبك له معرفة لا بأس بها بالتقنية، فيستخدم تطبيقًا للبحث العكسي عن صور، فيجد مصدر الصورة: حساب إنستغرام لعارض أزياء مغمور. 


تُفكِّر -في لحظة يأس- أن هناك تفسيرًا: «أجل، هنالك تفسير منطقي.. لا يمكن أن أكونَ بهذه السذاجة!».

2

نأتي إلى الدنيا بلا اختيار. لم نختر أجسادنا ولا وجوهنا ولا عقولنا ولا جنسنا ولا مواطنتنا ولا والدينا، حتى اسمنا -ألصق الأشياء بهويتنا- يُعطَى لنا.


في مجمل التاريخ البشري كُنَّا أسرى هذا الاختيار، وقدرتنا محدودة في تغيير الأشياء الأساسية في حياتنا.

 

مع الإنترنت، وجد الإنسان نفسه أمام واقعٍ جديد: يمكنه أن يخلق نفسه كما يُريد. لقد صار يوجد، إلى جانب العالم الحقيقي، عالم آخر: العالم الافتراضي.


في هذا العالم لنا مُطلق الحرية، والحدُّ الوحيد هو خيالنا. يمكن أن نختار اسمنا وشكلنا وعملنا وأصدقائنا، وسنجد من يُصدِّقنا من دون كبير جهد.


جميعنا يريد أن يظهر للناس في أحسن صورة: نُصفِّف شعورنا، ونرتدي أنظف الثياب، ونستخدم أغلى العطور. هذا يُرضي ذواتنا، ويزيد من قبولنا لدى الآخرين.


ولكن هذا قد لا يكون كافيًا. قد نرى أن بعض صفاتنا أو قسماتنا ليست حسنةً بما يكفي، فنلجأ إلى عمليات التجميل. هذا أيضًا قد لا يكون مُتيسِّرًا لأسباب كثيرة، كما أنه محدود. 


العالم الافتراضي يوفر خياراتٍ يسيرةٍ لإعادة اختراع الذات. في هذا العالم، أنتَ الراوي الذي يتحكَّم في سردية حياتك. كل ما تحتاجه هو حساب بريد إلكتروني وحساب في شبكة اجتماعية، ثم تترك لخيالك العنان: يمكنك أن تختار وظيفة أحلامك، نمط حياتك، وجهاتك السياحية، أصدقائك وزملائك. 


تتراوح إعادة اختراعنا لذواتنا من التحسينات الطفيفة إلى التغييرات الجذرية.


قد نستخدم الفلاتر لتحسين بشرتنا وأشكال أنوفنا، ونتخيَّر زوايا في التصوير تظهر الجوانب المُستحسنة وتخفي الجوانب المُستبشعة.


نصوِّر أطباقنا في المطاعم والمقاهي التي تفوق قدراتنا المالية، ونلتقط صورةً مع سيارة فارهة عابرة.


وعندما نتحدَّث عن حياتنا، لا نأتي على ذكر الجوانب غير الجذابة فيها، وقد نخترع جوانب سارة: نتحدث عن حنان والدينا، وروعة مدرائنا، ومراعاة أحبائنا، وعن كيف أنَّ الجميع يغمروننا بالحب. 


لكن هذا قد لا يكفي البعض. فالإحباط الذي يعانونه لا يُطاق، والتحسينات الطفيفة لقصة حياتهم لا تشفي الغليل.


عندها يلجؤون إلى إعادة الاختراع الجذرية لحياتهم، وهذا ما يُدعَى بـ«الانتحال الالكتروني».  


لقد مكَّنت التقنية لهذه الظاهرة من جهتين.


من جهة زادت من حُمَّى المقارنة بين حياتنا وحياة الآخرين، بإتاحتها منصات لاستعراض الاستهلاك التفاخُري.


لم يعد من الضروري أن تُسافر إلى موناكو ومربلَّة لتشاهد كيف يعيش الأثرياء، إذ يكفي أن تفتح هاتفك المحمول على أيِّ منصة اجتماعية لترى كيف يعيش الأثرياء ومدَّعو الثراء.


ومن جهة أخرى، اتاحت التقنية أيضًا القدرة على انتحال هذا النَّمط من الحياة بصورةٍ قابلةٍ للتصديق، وتلقِّي استحسان الآخرين. 


لنصف المُنتحل المثالي.


يجد نفسه في أسرة لا تعجبه، تضع عليه قيودًا في اختياراته ونمط حياته، لا تتيح له ملابسه ولا تخصصه الدراسي ولا وظيفته ولا شريك حياته.


وقد يرزح تحت ثقل مسؤوليات لم يخترها. لا شيء يعجبه في حياته، ولا أمل في تغييرها.


ومع ذلك تشتعل في نفسه رغبة عارمة في أن يعيش حياةً مختلفةً تمامًا، ويظنُّ أن تلك الحياة هي التي ستُشعره بالسعادة.


نفسية المُنتحل دائمًا هي نفسية الإنسان المقهور، نفسية من لم يستطع التصالح مع ظروفه وواقعه، فيلجأ إلى هذه الخيالات كآلية للتعايش. 


الانتحال الإلكتروني ليس هو الاحتيال الإلكتروني. فمع أن الظاهرتين تتقاطعان في العديد من سماتهما، إلا أن الهدف في الاحتيال الإلكتروني هو الحصول على مالك، أما في الانتحال الإلكتروني فالهدف هو الحصول على تصديقك


تصديقك هو العُملة التي يستخدمها المُنتحِل لإسباغ الواقعية على عالمه.


مثلما يُطعِّم الروائي روايته بعناصر من حياته وتجربته في روايته، يُضمِّن المنتحل عناصر من حياته في القصة التي يخبرك عنها.


فقد يستخدم اسمه الحقيقي ولكن يضع صورة عارض أزياء. ويخبرك باسم المدينة التي يُقيم فيها فعلًا ولكن يختار حيًّا راقيًا. ويعلمك عن مكان عمله الحقيقي ولكن مع تغيير المُسمَّى الوظيفي.


ومثل الروائي، يملأ المُنتحل حياته بشخوص خيالية، وقد يصنع لهذه الشخوص حسابات في الشبكات الاجتماعية، تتحدَّث معه وتعيد التغريد له وتتخاصم معه وتتصالح.


هكذا ينسج لك عالمًا قابلًا للتصديق. 

إن الأوهام تزيد شرورنا بدلًا من إخفائها، وذلك بإضفائها قيمةً إلى ما ليس له قيمة، وبجعلنا نُحِسُّ بألف حرمانٍ ما كُنَّا لِنشعُر به لولاها. 

جان جاك روسو

سُميت هذه الظاهرة بالـ«كاتفيشنغ»، على اسم نوع من الأسماك يقال إنه يُوضَع في نفس الحوض مع نوع آخر من الأسماك، لجعلها في حالة تيقُّظ مستمر، لئلا تصاب بالخمول والترهُّل. 


إحدى المبادئ الرئيسية في الفلسفة الرواقية تدعو إلى التيقُّظ الدائم. فأصحاب الفلسفة الرواقية يرون أن ما يؤثِّر في البشر ليس الأحداث بحدِّ ذاتها، وإنما انطباعاتهم عنها.


يقول إبكتيتوس: عندما تمشي فأنت تأخذ حِذْرك من أن تطأ مسمارًا أو تلوي قدمك. خُذْ حذرًا مماثلًا من أن تؤذي عقلك


الوهم شائع في التاريخ البشري، لكن لا يلبث أن يُكتَشف. إنما في العالم الافتراضي، ثمة مجال لنمو الوهم واستمراره.


علينا أن نتمتَّع بالتيقُّظ، لئلا ننخدع بأوهامنا.. وأوهام الآخرين.



Join