تشرفت بالمشاركة في العدد الأول من مجلة المبادر العربي بالمقال التالي

التجارة الإلكترونية.. فرص واعدة


حجم التجارة الإلكترونية واللوجستية في المملكة ناهز 80 مليار ريال.. وعدد المتاجر اإللكترونية بلغ 45 ألف متجر


أزمة كورونا أصابت التجارة التقليدية بالشلل التام بينما شهدت التجارة الإلكترونية صعوداً ونجاحاً لافتين


لم يغب عن ذهني مشهد الاستنكار واللامبالاة، التي أبداها البعض قبل أكثر من عقد من الزمن، حين  تحدثت عن فرص الكسب المالي عبر ( الإنترنت ) وكأن الأمر  - حينها  - ضرب من الخيال. بل إنني حين كنت أطلعهم على شيكات موسومة بشعار شركة جوجل الأمريكية،كان الارتياب سيد الموقف.

 اليوم - ونحن في سنة ٢٠٢٠ م  - تغيرت المواقف، وأخذت شكلا غاية في الجدية. ففي تصريح لمعالي وزير التجارة والاستثمار الدكتور ماجد بن عبد الله القصبي، خلال فعاليات المؤتمر الوزاري الرابع عشر المفتوح بمنطقة الباحة، تحت شعار( محفزات التجارة والاستثمار بمنطقة الباحة ) والذي نظمه مجلس الغرف السعودية خلال شهر جمادى الآخرة ١٤٤١  ، قال فيه إن حجم سوق التجارة الإلكترونية واللوجستية في المملكة ناهز ثمانين مليار ريال. كما بلغ عدد المتاجر الإلكترونية خمسة وأربعين ألف متجر، بحسب بيانات منصة معروف الإلكترونية  ؛ لدعم التجارة الإلكترونية في المملكة.
    والسؤال هنا عزيزي القارئ: كم كانت حصتك من هذه الكعكة التي تقدر بثمانين مليار ريال  ؟!! .
    إنه لمن دواعي الأسف ألا يكون لعديد منا نصيب من هذه الكعكة، خاصة إذا علمنا أن حجمها الفعلي أكبر من ذلك بكثير  ، إذ لا يمكن اختزال التجارة الإلكترونية في المتاجر الإلكترونية فحسب، كما يصور ذلك عدد من المدونين،  ومقدمي البرامج والدورات التدريبية.


    التجارة الإلكترونية ما هي إلا أنموذج متطور للتجارة التقليدية  ، وكل ما يرتبط بها ،يتم أتممتها اعتمادا على التقنية.  فنجد أن المتجر التقليدي تحول إلى متجر يُختزل صفحة ويب، أو تطبيقا، ونجد ديكورات المتجر التقليدي المكلفة، تتمثل في تصاميم إلكترونية جذابة، بل نجد الرجل المكلف بحراسة المتجر

التقليدي قد استبدل ببرمجيات، تمثل جدرانا نارية لحماية ذلك الموقع، وتأمين الحصانة له؛ لكون مرتكبي جرائم السرقة والسطو الميداني، تمثلوا في فضاء الإنترنت بمجموعة من  قراصنة الإنترنت ( الهاكرز ) المفسدين.

“إن تعذرت عليكم الأعمال التجارية التقليدية، فلامناص لكم من اتخاذ التجارة الإلكترونية مركباً”

إن الشؤون المرتبطة بالتجارة الإلكترونية، والتي يمكننا أتممتها إلكترونيا، متنوعة وكثيرة، يلقي التسويق والمعاملات المالية والخدمات اللوجستية عليها رداء إلكترونيا بالغ الجودة، تلعب الاحترافية الشبكية دورها في ذلك، ولكل منها تفصيل خاص، لا يمنح المقال فرصة احتوائه.
    لذلك كله،  والرسالة موجهة للجميع عامة، ولشبابنا الفتيان والفتيات خاصة، هي أنه إن تعذرت عليكم الأعمال التجارية التقليدية، فلامناص لكم من اتخاذ التجارة الإلكترونية مركبا . ومازال في الوقت متسع لديكم  ؛ لإيجاد موطئ قدم لكم، وحجز الموقع الملائم لكم في فضاء التجارة الإلكترونية الشاسع.
   فرغم كل ما أنجز، فإن سوق التجارة الإلكترونية لا زالت ناشئة، تنمو على نحو تصاعدي حاد، وتتصف بميزات محفزة؛ لخوض غمارها، وتحقيق النجاحات فيها.

مازالت كلفة إنشاء البنية التحتية للعمل في التجارة الإلكترونية أقل كلفة من التجارة التقليدية  ، بفضل ما هو متوافر

التجارة الإلكترونية انموذج متطور للتجارة التقليدية وكل ما يرتبط بها يتم إنجازه اعتماداً على التقنية


من أدوات جاهزة  ، وعناصر تكاملية متاحة  ، تجعل من هذه التكلفة الإنشائية محدودة المخاطر.
     وتلعب الامحدودية في التجارة الإلكترونية الدور الأهم، بمرونتها في مختلف العناصر المادية ،  إذ يغيب العنوان الجغرافي عنها. فنجد من هو في أقصى الشرق يقدم خدماته التجارية لمن هو في أقصى الغرب. 

كما يلعب الوقت دورا بارزا، حيث العمل على مدار الساعة، دون ارتباط بمواعيد محددة، أو أطر زمنية معتمدة. وتأخذ الحملات التسويقية الإلكترونية شكلا من أشكال الشراسة التسويقية، تتفوق بطبيعتها على الحملات التسويقية التقليدية.  فنجد شركة يلف مندوبوها ومسوقوها البلدان على مدى أسابيع عديدة  ؛ للترويج لمنتجاتها وبضائعها  ، لتعمل حملة تسويقية واحدة على إقصائها، وإخراجها من حلبة المنافسة، فينتشر محتواها التسويقي بين عشية وضحاها، لتكون محل اهتمام السوق، وحديث القاصي والداني.
    والتجارة الإلكترونية عالم متغير، يتشكل في مجال رحب للإبداع والابتكار، وهو الأمر الذي يجعل الفرص مشرقة دوما، باحثة عن مصطاديها.  فاليوم نجد في الهياكل التنظيمية للشركات إدارات للموارد البشرية، لكن المستقبل سيحمل لنا ما يثير الدهشة بوجود شركات تقدم خدمة إدارة الموارد البشرية لعملائها من خلال الشركات إلكترونيا.
    وتتصف التجارة الإلكترونية بهامش واسع من المرونة والتكيف مع مختلف

التحديات والأزمات . إذ كشفت  أزمة كورونا جانبا مهما من ذلك، حين أصيبت مفاصل الحياة بالشلل التام، وفي صدارتها التجارة التقليدية، فيما شهدت التجارة الإلكترونية صعودا ونجاحا لافتين، وما النتائج المالية للشركات الإلكترونية إلا دليل على ذلك.
    ومن أهم ما يميز التجارة الإلكترونية القدرة على العمل وفق مستويات تدرجية، دون تفرغ كامل، بدءا من المستوى المبتدئ، كالعمل الحر، اعتمادا على الموارد اليسيرة المتوافرة للفرد.  فتلك الفتاة  - مثلا  - التي تعرض منتجاتها على حسابها في الأنستغرام ، ماهي إلا ممارسة للتجارة الإلكترونية في أيسر صورها.


لقد هيأت حكومة المملكة العربية السعودية السبل للبدء بهذا النوع من التجارة، وأسست البنية التحتية اللازمة، وشرعت اللوائح والأنظمة لذلك، وأنشأت الهيئات الداعمة، وأطلقت المبادرات والبرامج التحفيزية والتعليمية، التي من شأنها أن تمهد الطريق للراغبين في الانخراط في الأعمال التجارية الإلكترونية.
   

ويرتسم أمام ناظرينا سؤال محير: من أين وكيف نبدأ؟

من وجهة نظري، وبشكل مختصر، فإن البداية الصحيحة ترتكز على أمرين مهمين. الأول منهما هو العمل على اكتساب المهارات بشقيها الناعمة والصلبة.  فالمهارات الناعمة، المتمثلة في القيادة والتفاوض وفنون التواصل وإدارة الوقت، والعمل ضمن فريق التأقلم والمرونة، والتنظيم والتخطيط، من شأنها أن تبني شخصية التاجر، وهي ضرورية لكل ممارس للتجارة، سواء أكانت تقليدية أم إلكترونية.  أما المهارات الصلبة والمتمثلة في التخصصات المهنية ، الحرفية ، الرقمية ، التقنية وغيرها ، فهي التي تضيف لك القيمة وتصنع لك سلعتك سواء اكان منتج او خدمة.

أما الأمر الآخر، فهو الاعتماد على التجربة والممارسة، دون الخشية من الخطأ والإخفاق.  فما التجارب المتعثرة إلا دروس تفوق في فائدتها التجارب الناجحة، وهي عتبة من عتبات سلم النجاح المتكامل.  وفي هذا الشأن، لابد من تلقي التوجيهات والمشورة من أهل الخبرة؛ لتعزيز سرعة التعلم، وترسيخ فرص النجاح.
  قد يجد القارئ غرابة ناشئة عن عدم ذكري لرأس المال والسيولة النقدية، بوصف ذلك قواما للبدء في ميدان التجارة الإلكترونية الرحب. والحقيقة هي أنني لم أغفل عن ذلك، وفي تقديري إن رأس المال النقدي لا يمثل هاجسا، ومرد ذلك إلى قلة التكاليف التأسيسية في التجارة الإلكترونية من جهة، وتوافر خيارات تمويلية عديدة من جهة أخرى . وتلك المنتجات التمويلية قد تجد من يستفيد منها، ممن لا يملكون أية مصدر دخل ،أو أية وظيفة.

ماذا ننتظر  ؟؟ !!
ذوو العقول لاينتظرون الفرص، وأصحاب العزائم لا يترقبون تحسن الخيارات، بل هم من يصنع تلك الفرص، وهم من يحسن انتقاء الخيارات  ، التي تحقق الأهداف، وتترجم الأحلام إلى واقع جميل.
 وهنا أختم بالقول المروي عن أمير المؤمنين الإمام علي  - عليه السلام  -(مارام امرؤ شيئا،إلا ناله،أو مادونه )

Join