قطار الهَوية 


مساء الخير\ صباح الخير.. أكتب بتوقيت الأسئلة الليلية المُلحة، بتوقيت المساءات التي ترافقنا في دواخلنا وتأخذنا للزوايا القابعة في غرف مغلقة داخل أرواحنا، بتوقيت البحث عن النفس من خلال ما يحصل ويقع كل يوم، بتوقيت الوجود والعدم المشترك في لحظات السهو والسيان، للحظات التسويف، ولرفاهية الكتابة التي هي ضرورة الإكتشاف لبعضنا. بتوقيت الرياض، الساعة الثانية صباحًا، أحد أيام أكتوبر التي لم أدونها لأني لا أذكر هل كتبت التدوينة قبل أربعة أيام أو أنا أكتبها الآن، هل كتابتها في عقلي كان كافيًا أم أنها ليست كتابة ما لم يخربش و يعربد قلمي فوق سطح الورقة، أو أن تضغط أصابعي بتفاوت شعوري فوق لوحة مفاتيح جاهزي المحمول؟ برفقة صوت أغاني كردية و فرقة تكات و صوت رشيد طه و غناء طلال مداح ثم تنتقل نغمة الأغاني لنغمة sway with me، هكذا في تعاقب متوتر تتقلب الأصوات و النغمات و الأذواق في لحظات معدودة، و في الحقيقة تساؤل التدوينة الذي قررت أن أعبر عنه في شكل كعكة شوكولا هو التساؤل الذي يرافق أؤلائك الذين يعايشون فكرة الغربة في الأماكن الذين يخترعونها داخلهم وطنًا، تدوينة اليوم لمن يذوبون و يذوون في داخلهم حين يكبرون بعد أن يكتشفوا أن صنع الهوية الواحدة الثابتة أمر أكثر من صعب. لكل من يعايش حقيقة أن محبة المكان لن تكفي، وأن تكبر في منطقة وردية في الطفولة لا يعني بالضرورة حقيقة ما تكتسبه كهوية و ما ستكون عليه، لمن يكتشفون أن الهويات مائعة في بحر عريض، وأنهم يسبحون متبللين بعدة هويات مشتركة قد لا يعيشون أيًا منها. 

 رشيد طه، فرنسا، و مريم

لا أعلم إن كان يجب أن أدرج هذه الكلمات الأربع تحت سياق ما أو أن أعرفها كعنوان، لكن أعلم تمامًا أنها أربع كلمات مفتاحية جعلت التساؤل يضخ لي أفكار عدة برفقة تساؤل الهوية الدائم المرافق لي. في ظهيرة أحد الأيام، و برفقة صوت البودكاست الذي أسمعه في المطبخ تذكرت صوت رشيد طه، و بدأت ألإكر بكيف يخلق الإنسان هويته مرة أخرى بعد أن تقتل في موطنها؟ هذا ما حدث مع موسيقي الراي في وهران و الجزائر عمومًا، كانوا ملاحقين لفترة طويلة حتى بعد تعاقب الإستعمار، و للمصادفة أنهم يلجؤون لدولة الإستعمار، و يعترف بالراي كموسيقى، ثم تقام الحفلات هناك في ساحات المدن الفرنسية، وربما يحمل المغني بعد ذلك كله هوية تثبت حقه في المواطنة الفرنسية، تتساءل هل للهوية شكل واسم وإنتماء محدد، أم أن الهوية فكرة مرافقة ملتصقة بماسامات الروح الجلدية و نتنفسها؟ كيف تتشكل؟ ما المؤثر الأكبر؟ ما هو الشيء الذي قد يجمع الهويات المختلفة حول العالم بأكبر قدر؟ تساؤلات تساؤلات؟ كيف يبدو شعور الإشتياق لوطن يتلفظك أو تتلفظه؟ أو كيف يبدو شعور البحث عن مكان آخر؟ هل الهوية ووجودها تجربة كما تقول مريم في أحد أجوبتها ( تجربة تصقلك) كان هذا جواب مريم لي بعد أن تحادثنا عن أحد لقاءاتها في مجلة ما، تحادثنا عن الهوية، عن من نحن؟ في نظر الأمكنة التي نعيشها نحن غرباء، أنا ومريم و غيرنا، نحن غرباء في بلدان غربة، لكننا نكبر هناك، نعيش هناك، و نصنع شخصياتنا مستندين على فكرة وجود وطن ما آخر هناك في الخريطة الجغرافية، قد نتبع تقاليده و نبدو مثل الأشخاص في الوطن، قد نرتدي مثلهم في مناسبات الوطن و قد نعلم أن إنتماءنا الأول أو الأصلي بمحض التوزع الجغرافي و الخرائطي في العالم يقع هناك في نقطة أخرى بينما نعيش في أخرى. لكن تلك النقطة الأخرى لفترة من الزمن حين تكون بريئًا و تعيش على محض الطيبة ومع من تلعب؟ في تلك النقطة تظن أنك صاحب العيش في النقطة التي توجد فيها، طمئنينتك بقرب ما تعيشه، والدتك و والدك وأي فرد عائلي أو قريب وصديق، فهذا ف طفولتك يعني الوطن مع كل ما تتعلمه و تستسقيه، تجيد فقط ما تراه و تتعلمه، هذه فكرتك الأولى، أنت تنطق من أين تأتي لكنك فجأة و في نقطة ما وردية في تلك السماء تهطل غيمة فاقعة الألوان، غيمة ما تفتح لك أفق التصنيف المتبوع ببدأ البحث عن الهوية. في تلك اللحظة تبدأ بالتعرض لتلك المواقف التي تسميها مريم ( مواقف عبيطة) كان لدينا اختلاف في نقاط ما، لكني أتفق تمامًا، أن مشاعرك لا تهم أمام مستنداتك، يتلفظك المكان فتشعر بانفصال ما عن ما تكونه على طول السنين .. هكذا تبدو المدن الغريبة التي تعيشها، تتلفظك و تعطيك إنطباعًا بأنها تقذفك بعيدًا خارج كينونتها، بل و مهما طال بك الأمد. بل أظن أنا شخصيًا أن المغترب يعيش دومًا حالة من الإغتراب الدائم عن الأماكن التي يعيشها مهما اختلفت، بل أرى أن المغترب سيعيش حالة اغتراب حتى مع أرض الوطن. المغترب يخلق الموطن داخله، هذه هي الحقيقة التي أصبحت أؤمن بها الآن ولا أعرف إن كنت سأغيرها يومًا. وحصل هذا عقب زيارة لسوريا وقضاء شهر آب من عام 2019 هناك، تحديدًأ هناك في القامشلي (قامشلو) اكتشفت مدى الإنفصام عن الذات في حالة البحث عن الموطن والإشتياق لحقيقة وجود صورة هوية متكاملة داخلك، يعني لي كثيرًا أن أتأقلم مع الديار لأكتشف الماهية التي كان من الممكن أن أكون عليها لو عشت هناك، لكني رأيت نفسي أجتث نفسي من معظم السياقات، بل وأستيقظ كل يوم لأجد تجربة جديدة، لأكتشف المكان، بل كنت أنا الغريبة في الأرض التي من المفترض أنها الأرض التي أرجع لها، ولا أنكر هذا، أحب سوريا، و أحب القامشلي وأحب الهلالية ومسجد جدي ومنزله، بل أظن أن ما يربطني هناك حقًا وأنا الوطن لدي هو بيت جدي، بل اكتشفت أن الهوية كانت منزل جدي، وعدة قرى صغيرة أزور فيها أهل والدي ووالدتي، لا ينفك التساؤل يرافقني، ما الذي أعرفه، ما الشكل والصورة التي يجب علي أن أعرفها وأكونها. كان التساؤل كل صباح ما الذي سأعرفه اليوم؟ ما نصيب الليلة من معرفة ومعارف؟ لكن الوطن وشعور الهدوء يتكون في شجرات الزيتون وغرفة جدي ودخوله للمنزل المصاحب لمناداته لي حين يلمحني، هَيڤَا عوضًا عن هيڤي، ابتسم وأعلم أن الوطن في الأشخاص وشعور المسكن، لكن يرافقك الحنين لمكان آخر، بل تظل منفصلًا جزئيًا، كنت أشتاق لمنزلنا في الرياض، أحن لسريري وللشوارع المزدحمة ( أمر لم أتوقع أن أفكر فيه)، أحن لسيارة والدي، للأسواق، لطبيبة أسناني، ولطريق الجامعة التي تخرجت منها مسبقا مع رغبة للهرب منها بأسرع وقت، بل اشتقت لمكتبتي ومشوار الحديقة الذي أجزم أني أستطيع مناقشة عدم رغبتي للذهاب إليها كثيرًا. ولا أعلم من أين تُكتسب هذه الصورة، لكنها صورة موجودة. صورة المحاولة الدائمة للإكتشاف، صورة التجربة التي تحتاج صقلًا عامًا بعد عام، صورة الركض في العجلة في سماء البحث الدائم، هي محاولة كتابة سيرة ذاتية تظهر جليًا عليك، كألوان مطبوعة عليك تتفاوت في الرونق والظهور مع مرور الإنسان بأعماره ومراحله. الشوكولا .. هي ما سيأتي الآن …  


الشوكولا، أزمة الوجودية. 

الشوكولا:                                                        

كيف جعلت الشوكولا أزمة الوجود المتعلقة بالهوية أمرًا مستساغًا؟ كيف جعلت كعكات الشوكولا الصغيرة كل ما يحصل يبدو أرض إبتكار خصبة، و ساعد في خلق منزل مليء بالسكون داخل عقلي. كيف تجعل الشوكولا كل العالم يتفق على مكون واحد بغض النظر عن هويته و ما هو السر؟

 


قبل مدة كنت أفكر كيف تساعد الشوكولا في خلق هوية عن طعام واحد يجمع أشخاص من العالم قاطبة تحت نكهة واحدة قد تتنوع؟ و قد وجدت إحدى الأمور التي جذبتني، ألا وهي أنه مكون تماشى على مر التاريخ و انغمس مع المكونات المختلفة، اخترع الناس الشوكولا بحشوات مختلفة، و صنعوا نوافير و مجسمات واستطاعوا نقل هذا المكون حول العالم، مع إضافة هوية كل مكان إليها، فالشوكولا صنعت بالكريم بورليه الفرنسي و بالروند الوردي المفضل لدى الإنجليزي، ثم نجد في الشرق لدينا بقلاوات بالشوكولا و معمول فلسطيني و حشوة كليجة قصيمية بالشوكولا، كيف استطاعت الشوكولا الإنغماس؟ هل السلاسة و تقبل حقيقة أنها في تنقل دائم ساعدها على معرفة أن الهوية مائعة و سائلة؟ هل علينا أن نكون مذابين في محلول الحياة المكون من مكونات عديدة و نذوي في المذيب الأقوى؟ أم علينا أن نكون إضافة ما نجعل لأنفسنا الهوية المميزة الخاصة، و نكون ذوي بصمة مختلفة ورائعة. تجعل كعكات الشوكولا دومًا موضوع اختلاف الهويات والتقبل أسهل بكثير، الشوكولا منسابة، مريحة، تغير لون ما يضاف إليها، و تصنع بيئة مريحة بطريقة تجعلها تحتفظ بأصالتها. هل إذن الحل هو أن نكون كالشوكولا؟ ككعكات الشوكولا الصغيرة التي تضفي بهجة حولها بدون أدنى مجهود بالذوبان نحو أمر لا تريده، أو أن الفكرة تكمن في الحفاظ على الحقيقة الذاتية لما تعرف أنه عميقًا في داخلك يمثل الوطن و الهوية مع محاولة فهم مكونك الآخر الذي لا يقل أهمية، مضيفًا إليها فكرة الوجود المتمثلة في من أين أنا؟ و كيف سيكون شكل هويتي لو أن و أن؟ ربما كل ما يحتاجه الأمر هو نوع من الأنسياق بما يقتضيه الوضع الذي نعي=ايشه، ضرورية تقبل الإختلاف الحقيقي، و فهم أننا من الضائعين في المنتصف، أصحاب البحث الدائم والتفكير المستمر.   



موقع الهوية


في الإنسياق ، حيث تشعر بالسكينة

لكن أين تقع الهوية؟ ما خريطتنا الجغرافية، ربما استطعنا الإنسياب و التناغم كما تفعل الشوكولا، بخفة، قد نتعلم التأقلم مع المكونات المختلفة، لكن يبقى التساؤل.. 

من أين لنا أن نعرف أين يقع الجزء الأكبر من هوياتنا؟ أو أين موقع الهوية من النفس.. أستطيع أن أٌقول أنها هناك، حيث تجلس في مكان ما أو محيطٍ ما قادرًا على أن تستشعر صوت قلبك النابض، بغير خشية مبالغة، بل ينبض قلبك برتم هادئ ويعلم أن هذه الضربات نوع من السكينة التي يستحقها بعد التشتت حتى و إن تفاوتت هذه الحالة. كأن تسير في شارع طويل وتبتسم فقط لأنك تشعر للحظة واحدة أنك جزء من المكان، تشعر بالمكان يرحب بك ولا يرفضك. هكذا حيث تستطيع أن تسير دون أن تخشى أن تظهر ملامح تشتتك للجميع، حيث يسمح المكان لك بالإختباء و التقبل والظهور دون خشية. تقع هناك في قلوب من نحبهم، في المنازل الدافئة والمقاهي الدافئة برفقة الصحاب، في منازل العائلة، في ابتسامات العابرين سريعًا، الماضين كسراب الوقت، في أعين الفخر التي تحتفل بإنجازاتنا الصغرى، تقع الهوية في الخيبات الحياتية، والمواقف الغرائبية التي قد نتعرض لها، قد تنكشف حتى في دقائق تتعرض فيها لعنصرية من نوع ما، وقد تتكشف حين يناديك أحدهم بلقب ما لتستشعر و ترتب أين هي؟ هي تتكشف حين تشعر بأنك تستقبلها، تنساق معها، تتقبل حقيقة تشتتها و ميوعتها فوق سطح روحك … 

شقيقي .. صراعات الهوية المتجددة 

لدي شقيق يصغرني بعام و تسعة أشهر، وهذه المدة كفيلة بأن توضح مسافة في خريطتنا الهوية حتى، يسافر عمر للدراسة، بينما أنا أجلس في أحد أحياء شرق الرياض على كنبة منزل بسيط أفكر بالتشتت، وهو يفكر باستعادة توازن ما، نختلف دومًا في أفكار كثيرة فيما يخص موضوع اللغة المستعملة و مدى أصالة لغتي الكردية بمقابل تعلمها إياها بشكل جيد و مبهر، الحقيقة لا أزال فخورة بكونه إستطاع تعلمها في مدة قصيرة بينما سافر للدراسة، لكن لم أجد نفسي أتعلم أي لغة الآن، حتى اللغة التي أتحدثها منذ صغري و أحبها، لا أشعر بتشكل الدافع لتعلم أي لغة بشكل أكبر مما أعرفه، بل أشعر أن هذا النقصان يشكل جزءًا من الشتات. منذ أعوام أبدأ بتعلم الفرنسية ثم أتوقف، لا لسبب معين، وليس لأني لا أستطيع إيجاد سبب يجعلني أستمر (أصمل)، بل لأني لا أجد سببًا يجعلني أبدد مرحلة الأمان و التصالح مع التشتت في هذه اللحظات التي أجدها حساسة للغاية. بينما من ناحية أخرى أجد نفسي سعيدة لتشكل هوية مصدرها الأول اسمي الكردي.. بل أجد الهوية في معناه العربي بالأمل و الرجاء الدائمين و يواسيني أن المعنى باللغة الإنجليزية المتضمن في كلمة Hope  لا يزال رائعًا، و ربما أبحث عن اسمي ببقية اللغات لأعرف هوية لفظه، رغم ذلك تعجبني الدائرة التي استطاع عمر أخي أن يجدها، أن يتعلم بتلك العاطفة و ذلك الشغف، أن يقرأ و يكتب باللغة الأم التي يسمعها منذ الصغر، بل هو قادر على استيعاب أي مقطع كردي يصدفه، بينما قد أعلق لوهلة لاستيعاب جملة يقولها مسن في مقطع يوتيوبي كردي. ورغم أني و عمر لدينا الإستعداد للتحضير لمناظرات طويلة تسبب الصداع لوالدتي، إلا أني أجد نفسي سعيدة أمام ما يفعله من مجهود ليتعلم ويرسخ أفكار وجود هويته. 

كيف ينقذنا الخَبز من تشتت الهوية؟ الكعك و الخبز مجملًا على ما يبدو من ضروريات حياة الإنسان منذ اكتشف المصريون عصيدة الذرة المخمرة وهكذا تطورت عمليات الخبز حول العالم، يومًا بعد يوم، وتشكلت لدينا الهوية الجديدة للأطعمة المخبوزة، لكن لما لا تجد المخبوزات مشكلة في الإنتقال؟ هكذا قررت قرارًا ما، لنكن مثل المخبوزات، تنتقل بسلاسة، تنشر مشاعر جيدة، وتتأصل بهويتها الأصلية، خبز عربي، فرنسي، انجليزي،حلبي، عراقي، كردي، أرمني، الخ……… تتناقل الأطعمة حول العالم، و يستمتع البشر بها، ولو استطعت أنا بدءًا من نفسي أن أتقبل الأمور كما أتقبل اختلاف العجين، أظن و بنسبة 100% أن الأمور تتحسن، و هكذا كانت كعكات الشوكولا، مزجت داخلها كل ما يخطر في مخيلتي من نكهات قد تمتزج، و رأيت أني أخرجت كعكة حصدت تعليقات لذيذة من كل من تذوقها، أسمت إحدى عماتي الكعكة بجنة الشوكولا، بينما أحد الصديقات التي ابتاعتهم أخبرتني أن فيها شعورًا يبعث على الراحة و الهدوء. هكذا قررت أن أكون مثل كعكة، سلسة و متقبلة، أجيد معرفة نفسي..  هكذا ستبدأ عملية البحث … 

أين تجدون أنفسكم؟؟ 

Join