نحملهُ فيُحمّلنا مالاطاقة لنا به ..
أدرك كل يوم أكثر باستمرارية افتقارنا كمجتمع و ثقافة إلى الوعي الكافي بأهمية حديثنا عن مشاعرنا، خبراتنا الصادمة، آلامنا، لومنا لذواتنا وجلدها، وندوبنا الخفية..
وأن ننفس عنها بطرق سوية: كالحديث مع من نحب ونثق، والرسم، الكتابة، سجودنا المطول مع السميع الرحيم جل في علاه، واستشارة مختص.
وهي أساليب متعددة مكملةً بعضها البعض.
ولكننا غالبا ما نؤجل تلك الأخيرة إلى أن نضطرب، وتضطرب حياتنا من شتى جوانبها، وتنهك أجسادنا..
مع كل حالةٍ جديدةٍ أقابلها وأتلمس آثار ذلك الصمت والكبت عليها وعلى صحتها، أزداد تساؤلاً لما نستهين بالحديث عن مصابنا! ونحبسه داخل أقفاص قلوبنا فيحتل أدمغتنا وأفكارنا ويهاجم جهازنا المناعي والعصبي المكفل بحمايتنا عند الخطر ومن الأمراض, ويعطله فتظهر علينا أعراض الصداع والقولون العصبي ومشاكل النوم والأرق والخ…
لا أنسى يوم قدوم العميلة ( ع ) ذات الخمسون عاما فقط وهيئتها التي تبدو أكبر من ذلك بكثير، والحزن الذي يُظلم رونقها ويخفي جمالها، نظرات اليأس والعجز التي تكسو وتنهك عينيها، كيف بانحنائها منطوية على ذاتها وكأنها تحميها، ونبرة فقدان الأمل التي تغلف كلماتها وحتى عقلها تمنع قدرتها على اليقظة والاستيعاب..
أتت العيادة النفسية بعد مرورها على الكثير من المستشفيات راغبة بمعرفة أسباب أعراضها المتكررة.. ولم تنل منهم الا الكثير من الأدوية المسكنة دون أجوبة تطمئن وجدانها وتطفئ اشتعال بالها.
جلست ( ع ) وبدأت تحكي الأعراض: أشكو من قلة النوم، وفقدان شهيتي للأكل، أشعر بالضيق المستمر، والغثيان والام القولون والرقبة والكتف والمعدة, بدأت الأعراض منذ خمس سنوات واشتدت منذ ٣ أشهر أصبح الألم في كل بقعة من جسمي.. امتنعت عن الخروج واعتزلت الناس، فاصطحبني زوجي إلى هنا علكم تخبرونني ماذا يحدث معي!!
بعد انكارها المستمر للأسئلة وعدم استذكارها لأي صعوبات أو الآم مرت بها قبل بدء الأعراض، ذكرت أن لا شيء مهم أو مختلف في قصتها..
يصيبني مايصيب الناس جميعا وطبيعي جدا .. فلا بيت يخلو من مشكلات..
ثم ذكرت على عجل: توفي والديّ قبل خمس سنوات نتيجة مرض وكنت أنا من يعتني بهما.
أوحت كلماتها و أفكارها متضمنةً لوم الذات وان كانت قد قصرت معهما وان كان ربنا سيغفرلها تقصيرها فتدمع عينيها نتيجة انهيار جوفها …
لم تبكِ حين وقع الحادثة و لم تشارك زوجها ولا أبناءها مشاعر حزنها ولومها لذاتها وفقدانها لهما معا، لم تر أن الأمر يستحق المشاركة أو الدعم والاحتواء.
لم تعطِ نفسها الفرصة للمرور بمراحل الفقد:
( الانكار، الغضب، المساومة، الاكتئاب والحزن، التقبل)
انتقلت فورا الى التقبل ولكن لم يتقبل ذلك جسدها، رفض تلك القوه المزيفة والكبت
اللاواعي ودمر جهازها المناعي فمرضت جسديا وظهرت عليها مانسميه بعلم النفس
(الأمراض النفسجسدية) وهي الأمراض أو الأعراض الجسدية ذات المنشئ أو السبب النفسي.
وشخصت بمزيج قلق واكتئاب ..
أثرت بي الحالة كثيرا كوني أراها نموذجا لحالات عديدة أشهدها يوميا خارج العيادة…
"ننكر مشاعرنا فتنكرنا عقولنا ثم تزج بنا الالام داخل أجسادنا رهينةً لها … الى أن نوصد لها الأبواب وننفس عنها فتنفس عنا.."
وما لا ندركه أحيانًا أننا نَطمئن بحمل ووجود الألم داخلنا، يشعرنا ذلك بالوفاء والإخلاص طالما حملناه وحملنا.
ولكننا حين ندعو نردد {ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به}!
جُمانه محمد