نزول الوحي على النبي
وأشرقت الدنيا
إن بعثة النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم بنزول الوحي عليه بواسطة جبريل عليه السلام تشكّل لحظة فاصلة في تاريخ البشرية ، وإشراق عهد جديد يحيي علاقة الإنسان بخالق الأكوان فكيف بدأ ذلك ، وأين وماهي الدروس التي نستفيدها من هذا الحدث العظيم؟
عَن عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللهِ صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ فِي النَّوْمِ، فَكَانَ لاَ يَرَى رُؤْيَا إِلاَّ جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ، ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الْخَلاَءُ،
فَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءَ يَتَحَنَّثُ فِيهِ - وَهُوَ التَّعَبُّدُ - اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ الْعَدَدِ، قَبْلَ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى أَهْلِهِ وَيَتَزَوَّدَ لِذَلِكَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ فَيتزَوَّدُ لِمِثْلِهَا، حَتَّى فَاجأَهُ الْحَقُّ وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءَ، فَجَاءَهُ الْمَلَكُ، فَقَالَ: اقْرَأْ، قَالَ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، قَالَ: فَأَخَذَنِي، فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجُهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: اقْرَأْ، قَالَ: قُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، قَالَ: فَأَخَذَنِي، فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجُهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: اقْرَأْ، فَقُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، فَأَخَذَنِي، فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجُهـْدَ، ثُـمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَـالَ:اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5)
ذهب بعدها جبريل -عليه السّلام- واختفى من أمام الرّسول صلّى الله عليه وسلّم، فعاد إلى بيته خائفاً مذعوراً لا يدري ما الذي حصل معه، ولمّا وصل إلى بيته وجد خديجة -رضي الله عنها- فأخبرها بما حصل معه، فطمأنته وأخبرته بأنّ الله -تعالى- لن يضيعه، ثمّ أخذته إلى ابن عمٍ لها يُقال له: ورقة بن نوفل الذي كان على الديانة النصرانية، فلمّا أخبره الرّسول -عليه السّلام- بما جرى معه قال له ورقة أنّ ذلك كان جبريل عليه السّلام، ممّا يدل على أنّك يا محمّد رسول لله عزّ وجلّ، وانقطع الوحي بعد ذلك أياماً اختلف العلماء في عددها إلّا أنّها غالباً من ثلاثة إلى أربعين يوماً، ثمّ جاء الوحي مرّة أخرى مُعلناً في هذه المرة أنّ محمّداً هو رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- فعلاً، ووصف ذلك رسول الله -عليه الصّلاة والسّلام- في الحديث قائلاً: (بَيْنَما أنَا أمْشي، سمعتُ صوتاً من السماءِ، فرفعْتُ بصرِي قِبَلَ السماءِ، فإذَا المَلَكُ الذي جاءَني بِحِراءَ، قاعدٌ على كرسيٍّ بينَ السماءِ والأرضِ، فجَئِثْتُ منهُ، حتى هَوَيْتُ إلى الأرضِ، فجِئْتُ أهلِي فقلْتُ: زمِّلونِي زمِّلونِي، فَزَمَّلونِي، فأَنْزَلَ اللهُ تعالى: يَا أَيُّهَا المُدَّثِّرُ*قُمْ فَأَنْذِرْ، إلى قولهِ: فَاهْجُرْ)
معجزة القران الكريم
إن أعظم لحظة في تاريخ البشرية جمعاء هي لحظةُ نزول الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتحنث في غار حراء، لأنها شكلت مرحلة فارقة بين الحق والباطل والهدى والضلال.
ومن دلالات هذه اللحظة أن أول كلمة نزلت من الوحي على نبي الهدى صلى الله عليه وسلم كلمة «اقرأ»، بكل ما تحمل من دلالات ودروس. يقول الحافظ ابن كثير في تفسير قولــه تعالـى: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5)
فأول شيء نزل من القرآن هذه الآيات الكريمات المباركات، وهن أول رحمة رحم الله بها العباد، وأول نعمة أنعم الله بها عليهم. وفيها التنبيه على ابتداء خلق الإنسان من علقة، وأن من كرمه تعالى أن علم الإنسان ما لم يعلم، فشرفه وكرمه بالعلم
في غار حراء
ما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم الأربعين سنة، وهو سن تمام العقل واكتمال النضج، أزف وقت بعثته للعالمين بشيرا ونذيرا، فحُبب إليه صلى الله عليه وسلم أولاً العزلة والاختلاء، فكان يأخذ السويق والماء ويذهب إلى غار حراء في جبل النور على بعد نحو ميلين من مكة في شهر رمضان، ويقضي وقته في العبادة والتفكر فيما حوله من مشاهد الكون العظيمة، وما تدل عليه من قدرة وإبداع، ضاربا صفحا عن كل مظاهر الشرك والوثنية وعبادة الأصنام والأوثان.
ونتعلم من اختلاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بغار حراء حاجة المسلم أحيانا إلى الخلوة للتفكر في آيات الآفاق والأنفس، والنظر في مظاهر الكون وآياته،
حال الرسول عند نزول الوحي
1ـ شدّة التعرق، فقد كان جبينه يتفصّد عرقاً إذا نزل عليه الوحي حتى في الجو شديد البرودة.
2ـ سماع من حوله لأصوات غير معتادة عند وجهه، وصفها الصحابة بأنّها دويّ كدويّ النحل.
3ـ زيادة واضحة في وزن وثقل الرّسول -صلّى الله عليه وسلّم- عند نزول الوحي، حتى إنّه إن كان راكباً على دابّة فإنّها تجلس، وكان مرة يجلس إلى جوار الصحابي زيد بن ثابت -رضي الله عنه- وقد وضع فخذه فوق فخذ زيد، فلمّا نزل عليه الوحي ثقلت فخذه حتى خشي زيد على فخذه أن ترضّ.
الدروس المستفادة من هذا الحديث
حرص رسول الله صل الله عليه وسلم على الرد على جبريل في كل مرة كان يسأله فيها، وهو من أدب خلق الرسول.
– احتواء الزوجة العاقلة المحبة لزوجها في حالة روعه وتهدئته بدلًا من التهويل والعويل.
– اعتقاد ورقة بن نوفل في الإنجيل وهو ما نزل على عيسى لم يمنعه من الإخبار بنبوءة محمد صل الله عليه وسلم.
– تمني ورقة بن نوفل أن يكون على قيد الحياة حين نزول الرسالة على محمد، وهو ما يعني إيمانه به وتصديقه له.
– حزن الرسول لانقطاع الوحي عنه لفترة، وتهدئة جبريل له وإخباره له بأنه رسول الله.