مكافأة مسيء ومعاقبة محسن
قد يصدمكَ يومًا أن ترى مديرك يتخذ موقفًا معاتبًا عنيفًا فظًّا تجاه زميلك لخطأٍ ارتكبه؛ وتجد ذات المدير هادئًا وديعًا مع زميلك الآخر الذي أخطأ نفس الخطأ، فما السر يا ترى؟!
من الطبيعي جدًّا أن يحب الناس صاحب الخلق الحسن والطبع اللين، وأن يبهجهم وجوده في محيط حياتهم.
ومن الطبيعي أيضًا أن ينفر الناس من سريع الغضب سيء الخلق ممن سمته العنف والفظاظة. قال ﷺ: "إِنَّ شَرَّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ تَرَكَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ شَرِّهِ".
لنعود إلى موقف المدير أعلاه؛ للأسف أن هذا المدير يشكو علةً ما، ألا وهي تناقض الموازين، والتي ظلم بها نفسه قبل موظفيه. لقد علم مديرك أن الخطأ هو نفس الخطأ؛ لكنه في قرارة نفسه أدرك أن الموظف الأول هادئ الطبع حسن الخلق، فهو يبالغ في عتابه وتوبيخه لأنه ضمِنَ ردة فعله وأمِنَ جانبه؛ بينما يحسب ألف حساب لكل كلمة ينطقها أمام الثاني. ولا أخالك تجهل طبع الآخر... فمديرك يخشى انقضاضه عليه بكلمةٍ سيئة، ويهاب ردة فعله التي قد تصل إلى شكوى لمرجع المدير نفسه!
هنا نجد أن المدير وكأنما يكافئ البذيءَ على سوء طبعه ويعاقب المحسنَ لطيب خلقه.
حين قال الرحمة المهداة صلى الله عليه وسلم: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه"، فقد رسم لنا منهجًا عظيمًا في التعامل مع الخلق. هل يرضى أحدنا، وهو الطيب المحسن، أن يقابل إحسانه بالإساءة وطيبته بالأذى؟ أليس الإحسان للمسيء خشيةَ شره يزيده طغيانًا وسوء خلق؟
وما أقبح أن يكون التعامل السيئ مع الوالدين، وقد يتجاوز بعض الأبناء في التعامل مع أمهاتهم لأنهن الأكثر حنانًا، فالابن قد ضمِنَ حبها له وأنها ستغضُّ الطرف عن سوء سلوكه... ولا يعلم أنه يكون بذلك في مركز دائرة العقوق.
ليس من المروءة في شيء أن يتعمد أحدهم أن يسيء لآخر لثقته بأن الأخير لن يوقفه عند حده. وليس من العدل أن يُضطهد أو يُعنَّف أو يُضار أحدٌ لأنه طيب القلب سريع التسامح، سامح الجانب. وأظن يقينًا أن من يفعل ذلك له فيه من الخِسَّة والدناءة الشيء الكثير.
أحسنْ إلى الناس تستعبدْ قلوبهم.. فطالما استعبد الإنسانَ إحسانُ.
المؤكد أن الإحسان يملك قلوب أصحاب المروءات لا فاقديها.
دمتم أيها القراء الكرام أهلًا للمروءات وداعين لها..