عذراً أبي لم تُصِب هذه المرّة
كُنتُ في حوار مع زميلي المقرّب نتناقش فيه عن تأثير الوالدين على حياة الطفل
وأهمية التربية في ترسيخ المفاهيم التي قد تساعده في تشكيل حياته السلوكية والنفسية والإجتماعية والمادية والمشاعرية، حتى الدينية
قال صلى الله عليه وسلم
(ما مِن مَوْلُودٍ إلَّا يُولَدُ علَى الفِطْرَةِ، فأبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أوْ يُنَصِّرَانِهِ، أوْ يُمَجِّسَانِهِ) رواه البخاري
كان حواراً جميلاً، تناولنا فيه زوايا متعدّدة ووجهات نظر متفاوتة.
هدأ رِتم الحوار قليلاً… وتوقّف زميلي لِلَحظات،
أخذ معها نفساً عميقاً وقال لي؛
(أبي أخطأ مرّة واحدة).
بعدها بثواني، بادر زميلي بذكر موقفه مع والده.
يقول زميلي:
قبل شهرين، كنتُ جالساً مع والدي في صالة الجلوس العائلية ، أبي في مكانه المعتاد على طرف الكنب وبجانب الطاولة يشرب رشفات من الشاي قبل ذهابه للصلاة،
تحدث معي عن استثماراته والفرص المالية التي سنحت له وكيف تعامل معها
ثم ذكر لي جملة مازالت عالقة في ذهني من ذلك اليوم وحتى هذه اللحظة
قالي لي (أنا ما أمّنت لكم مستقبلكم)
لأيام وليالي، هذه الجملة لا أجد لها تحليلاً أو واقعاً يستند عليه.
من طفولتنا، أبي دائماً الرجل العابد الزاهد، قولاً وعملاً وفعلاً، يأخذ بأيدينا للصلاة ويوقظنا لصلاة الفجر إلى صباح هذا اليوم،
عمود الدين يقيمه ويعلّمه لأبنائه وبناته لأكثر من ٦٠ عاماً بكل حب، أي تفاني هذا!!!
بل مَن مِنّا يستطيع فعل هذا.
غرس أبي فينا حب كتاب الله
كنا ومازلنا نرا فيه أخلاق القرآن وأخلاق رسولنا صلى الله عليه وسلم.
جميل أن نقرأ قصصاً، لكن أن تكون ضمن قصة تعيشها بكامل تفاصيلها و تأثيرها، شعور لايوصف
أبي (القائد)سهّل علينا عناء قراءة بعض الكتب في الإدارة وأساليب الحياة.
لأبي الفضل بعد الله في تحمّل العناء المادي من تيسير نفقات التعليم والزواج ، بل إهداء الأصول لنا بكل حب.
وهو في احترامه للوقت وتقديره للعمل والجهد والتوكل على الله وجعل خطه بديله لكل احتمال مما يقلل الوقوع بالأخطاء قدر الإمكان.
أبي فعلاً جعلنا نرى المستقبل ونخطط له ونهيئ أنفسنا للاستعداد له.
وأنهى حديثة بقوله ( عذراً أبي لم تُصب هذه المرّة)
في الحقيقة، لم أعلم، هل أُدهش من كلامه، أم مِن حُسن تعبيره…
إحساس عالي ملئ بالمشاعر جعل مدامعي تنهمر ونبضات قلبي تتسارع.
شكراً لكل أب وأم
أنتم لم تُنجبوا أبناء وبنات، بل أنتم تصنعون أُمماً
جميل أن تترك لأبنائك ثروة ، لكن الأهم أن تترك فيهم ثروة.
حفظ الله كل والد ووالده على قيد الحياة وأمد الله بأعمارهم في طاعته بصحة وعافية، وغفر الله للميتين منهم وأسكنهم الفردوس الأعلى من الجنّة
كتبه- أحمد الذكير
28 ذو الحجّة
الخبر