إلى

 مَعاشر المُعَلِّمين

لكتابِ ربِّ العـَالمين


الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلامُ الأتمان الأكملان على أشرف الأنبياء والمرسلين، محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه الكرام، ومن تبعهُ بإحسانٍ ووالاه إلى يوم الدين، أمّا بعد:


إنّ أعظَمَ نِعمة بعد العلم هي بثّهُ بين النّاس، وإن نشره من أعظمِ ما يُعين على ترسيخه في النّفس، ومن أعظم القربات إلى الله تعالى، فكم من طالبٍ اقتطَعَ من وقته لبثّ العلم بين الناس وتعليمهم فبارَكَ الله له فيما حصّل، وأبقى لهُ بعد الموت حسناتٍ لا ترحل..


وهذه مجموعة نصائح أبعَثُهَا إلى إخواني المعلّمين لكتاب ربّ العالمين، ولبقيّة العلوم الشرعية، ولسْتُ بأحسن ولا أفضل من ينصح، ولكنّ لعلّ أشباهي المُقّصرة، الماكثة على عتبات هذا الطريق، تستفيد، وللعبد الفقيرِ تُفيد..

 

النصيحة الأولى:

تذكّر أخي الحبيب، أن عملك هذا هو بمثابة وقف مجّاني لك مدى الحياة.. ومدى ما أحيا الله طُلّابك.. ومدى ما باركَ الله بهم في أنحاء البلاد، وبين العباد..

فقابل هذا الوقف الخالد الشامخ بصدر رحب..

وشَغَفٍ وفيضُ حُبّ..

وشُكرٍ وامتنان للمولى الربّ..

الذي اصطفاك من بين الجموع التائهة لتكون معلماً لأعظم كتاب، وأجَلّ شريعة..

الذي اصطفاك لوظيفة الأنبياء والرسّل..

ومع هذا فينبغي أَنْ لا يَفْتُرَ لِسَانُ دعائك عن سؤالِ الله الإخلاص والإعانة، ما استطعت وتذكّرت إلى ذلك سبيلا، وفي دعائك إن نسيت أنْ لا يُنْسِيكَ سُبْحَانه.. فإنّ الإخلاص هو غاية الأمر والمقصد..

وإنّ ثمرة الإخلاص لا تُقطَف إلا بالجهاد والمثابرة، والدعاء والاهتمام والمحاولة..

 

النّصِيحَة الثانية:

في تعليمك للناشئة والطُّلاب استعمل أبلغ أسلوب في التعليم والتأثير، وهو؛ (التعليم بالقدوة)..


لاحظت خلال مسيرتي المتواضعة أنّ هذه الطريقة تكون في كثير من الأحيان أبلغ من بقية أدوات التأثير والتغيير والتعليم!


ولا سيما محاولة اقتناص تلك الفرص التي صنعتها لك الأحداث والأقدار، الموجودة في محيطك، لحظات خصبة لإحياء القيم والشيم وإظهار الأخلاق والمكارم بأسلوب القدوة الحسنة، فبعض الأخطاء والمشاكل التي تحدث هي في حقيقتها فرصة لك؛ لصناعة مشهد القدوة الحسنة بينهم، فيخرّج الله من بين الطلّاب من يتجاوز معلّمه بتلك المعاني والصفات والقيم والمبادئ الإسلامية العظيمة..


وقدر فعالية هذه الطريقة هي بقدر المخالطة للطلاب والمجانسة، وبقدر مشاكَلتهم ومشاركَتهم اهتماماتهم وهمومهم وهواياتهم ومشاكلهم ومناسباتهم وأفراحهم وأحزانهم..


لاحظت أنّ أَثَر مواعظ الفِعَال، أعظم من مواعظ المَقَال.. فقد يرى التلميذ منك موقف وفعل وعمل واحد؛ يُغْنِي عن ألف كلمة وخطبة ومحاضرة..


والحقيقة أن استعمال هذه الطريقة في التعليم صعب بعض الشّيء على المعلم، ولأنها تحتاج حتى تثمر بين الناشئة؛ إلى إصلاح النّفس أولاً، وتزكيتها من شرورها، وتطهيرها من أهوائها؛ وميلاتها وصبواتها، وتجريدها عن حظوظها.. وجهادها أشدّ الجهاد على الحق والحقائق بعيداً عن العواطف والرغبات وردود الأفعال الشخصية.. وهكذا السير؛ حتى تصفو النّفس فينعكس هذا الصفاء الباطني والنور الداخلي على الكلمات والأفعال الظاهرة فينشئ تأثيرها على محيطك من البشر..

 

النصيحة الثالثة:

تذكر أنك لا تهدي من أحببت ولكنّ الله يهدي من يشاء.. فلا تقسو.. ولا تيأس.. ولا تغضب.. ولا تكلّ.. ولا تملّ.. ولا تحزن.. ولا تتوقف..

فقد يصلح طلابك ولا يصلح أبنائك..

وقد تصلح العشرات والمئات من الأُسَر والناس ولا تستطيع أن تصلح أسرتك، ولا أقرب الناس منك..

وقد تحل الكثير للناس، ولا تستطيع أن تحلّ القليل لنفسك!

شاء الله، وهذه أقدارُه..

حكمته وإرادته، وهو من وزّع الأرزاق والمنافع ونتائجها..

وهكذا مِنَ الأَنْبِيَاء مَن مرّ بمثل هذا..

ولكن المهم أن تكون رقماً في هذا الطريق..

أَلْزَم مَا عَليك هِيَ الموعظة الحسنة والكلمة الطيبة، والبُعد عن ردّات الفعل، والتفاعل معها بالحد الذي يصرفك عن الغاية الأساسية..

 

النصيحة الرابعة:

لنا في رسول الله -ﷺ- أسوة حسنة في تعامله مع الصبيان والنسوان والشّبان والشيوخ والعجَزة..

والسيرة النبوية مليئة ومزدهرة بالكثير من الشواهد والمشاهد والنماذج التي يُحتَذَى بها في هذه المسيرة المباركة.. فارسم خطة عملك في التعاملات وفق هذه السيرة..


النصيحة الخامسة:

تذكر قول الرسول -ﷺ-:

(إن هذا الدين يُسر، ولن يُشادّ الدينَ أحدٌ إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيءٌ من الدلجة). "رواه البخاري"

 

النصيحة السادسة: وختاماً؛

تذّكر قول المصطفى -ﷺ-:

(لا تشددوا على أنفسكم فيشدد عليكم، فإنما هلك من قبلكم بتشديدهم على أنفسهم، وستجدون بقاياهم في الصوامع والديارات).

وقال أيضاً: (علموا ويسروا، ولا تعسّروا، وإذا غضب أحدكم فليسكت). "الصحيحة 1375".

Join