Rewire
إعادة الضبط
ملخص ذاتي
بخبرة طويلة في مجال الإرشاد والعلاج النفسي ينطلق الدكتور ريتشارد أوكونور في هذا الكتاب لعلاج إشكاليات ضبط النفس والتحكم بالسلوك ولكنه يتميز بأنه يتناول الموضوع من زاوية نظر غير مطروقة بكثرة وهي “تدمير الذات” Self Destruction. يركز الكتاب على عشر سلوكيات مدمرة للذات بتصويرها كـ”نماذج” أو برامج تلقائية العمل يتمسك بها جزء من عقلنا لأسباب قد تكون سليمة أحيانا لكن بوسائل غير مرغوبة على أية حال.
هناك قوى قاهرة بداخلنا تقاوم التغيير، حتى وإن كنا نستطيع رؤية ماهو جيد لنا بوضوح، كما أن العادات السيئة لا يمكن التخلص منها بسهولة. يبدو الأمر كما وأن لنا عقلين، الأول يريد لنا الأفضل، والثاني يقاوم بكل ما أوتي من قوة-عادة بدون وعي- للإبقاء على الوضع الراهن.
سأبدأ بقول أن مشكلة الكتاب في طريقة تقسيمه للمواضيع وضعف الترابط أحيانا في مقابل ميزته الكبيرة في زاوية عرض المشكلات وحسن استعمال الأمثلة والأبحاث العلمية دون إثقال. لذلك سأحاول هنا عرض الكتاب بطريقة أراها أكثر تنظيما.
يمكن تقسيم الكتاب إلى: مقدمتين عن المبادئ الأساسية لتغيير السلوكيات، ثم عشرة فصول كل فصل عن سلوك واحد مدمر للذات، ثم خاتمة. دمجت هنا مضمون المقدمتين ثم سردته في ثلاث مبادئ.
المقدمتين
الفصل الأول والثاني
يشرح المؤلف في المقدمتين ثلاثة مبادئ أساسية:
المبدأ الأول: العقلين
تنشأ المشكلة أن عقلنا ليس شيئا واحدا متفقا وإنما يمكننا أن ننظر إليه على أنه عقلين مستقلين يتعاونان أحيانا ولكن يختلفان أحيانا كثيرة. العقل الأول هو العقل الواعي. وهو العقل الذي نستعمله في التفكير الواعي الصريح. العقل الآخر هو العقل اللاواعي أو ما يسميه المؤلف (الذات التلقائية ). هذه الذات دائرتها أوسع ومجالها أكبر. وهي في الغالب أكثر تصرفا في واقعنا من الذات الواعية. يستعرض المؤلف تاريخ هذه الفكرة ابتداءا من فرويد الذي يفسر تكون اللاوعي بالكبت الذي حصل لخبراتنا الأولى. بعد مرور سنين على هذه النظرية، تعرضت للكثير من النقد والتطوير. يرى المؤلف أن اللاوعي أكبر بكثير من تجاربنا المكبوتة حيث تشمل هذه المساحة عالمنا المفترض وآليات متكرره تحصل معنا وقرارات قديمة بعضها من تجارب صحيحة والبعض الآخر غير ذلك كالكبت الفرويدي. كل هذه الشبكة من الطرق المختصرة والمشاعر الجاهزة تنطلق دون أن نشعر إذا مررنا بتجارب مشابهة لما مر بنا سابقا. وأحيانا كثيرة لا يكون وجه الشبه صحيحا أو لا تكون ردة الفعل متناسبة مع الخبرة الجديدة ولكن الذات التلقائية تتولى زمام الأمور رغما عنا. ناتج هذا الصراع هو ما يراه المؤلف مصدر سيناريوهات وأنماط سلوك (تدمير الذات) والتي بناءا على هذا سيفصل في المبدأ الثالث وبقية الكتاب.
المبدأ الثاني: آليات التدمير الذاتي
حول هذا المبدأ أبدع المؤلف في وصف الثغرات التي تغزونا منها آليات تدمير الذات وأنماط السلوك المدمر للذات. ابتدأ بالسؤال الأكبر وهو لماذا يسلك الإنسان سلوكا يعلم أنه ليس في مصلحته. وجوابا على هذا السؤال: يقول المؤلف أن ذاتنا المنقسمة إلى قسمين ودماغنا المفترق إلى شخصين متقابلين، الأول الذات الواعية والثاني الذاتت التلقائية التي تكونت بفعل حاجتنا للطرق المختصرة والقوالب السريعة للتعامل مع تعقيدات الحياة وتيسير عملية فهم الواقع والأحداث والأشياء والناس. مع أهمية هذه الذات التلقائية إلا أنها تعاني من العديد من الثغرات التي تسرب لنا السلوكيات المدمرة للذات ومنها:
الإنحياز للمصلحة الذاتية: يرى الإنسان نفسه دائما أعلى من المتوسط وهذا الاعتقاد الغير منطقي ينتج الكثير من الانحيازات المعرفية. يمكنك أن تطلع على قائمة الإنحيازات المعرفية في ويكيبيديا ومجرد الاطلاع عليها يزيد من وعينا بأنفسنا.
التنميط: من مهام عقلنا صناعة النماذج والأنماط المختزلة للخبرات بهدف تيسير التعامل معها ونكون بهذا ما يسمى عالمنا المفترض كي نجعل العالم قابلا للتنبؤ. هذا التنميط يصنع المعتقدات وكذلك يصنع ما يسمى (الأنماط الإنفعالية والسلوكية) وهي أشبه بالسيناروهات الجاهزة تجعلك ترى أمورا دون أخرى وتثير عواطف محددة عند خبرات محددة. سيذكر المؤلف سيناريوهات عامة تؤدي إلى نماذج سلوكية تؤدي إلى أنماط سلوك مدمر للذات تجدها في نهاية الفقرة.
الجسم: ما يحدث فسيولوجيا داخل جسمنا يؤثر كذلك على ذاتنا التلقائية. فارتباط تزايد نبضات القلب مع خبرة خوف معينة تسجل داخل صندوق في عقلنا وتصبح نمطا.
حماية الثقة بأنفسنا: لو حللنا الواقع بشكل موضوعي سنضطر للإعتراف بنقصنا أو سوء تقديرنا فتهتز بذلك ثقتنا بأنفسنا. أو كما يقول المؤلف “لو أن السعادة تطلب منا أن نفكر في أننا أفضل من المتوسط، بينما نحن مجبرون على اعتبار أن أداءنا أسوء من المتوسط في مهمة ما، فإن لدين مائة طريقة لإنكار هذه الحقيقة كأن نلوم الإختبار أو صحتنا ذلك اليوم.
تأثيرات الإجهاد والكلفة: تقول الفكرة أنه كلما زاد ما أنفقنا من مال وجهد على أمر ما زادت قيمته ولو لم تكن قيمته زادت على الحقيقة. يمكننا رؤية أثر هذا الثغر على مدمن الكحول المقلع عن الشرب لسنتين، ولأنه أنفق عامين على التحمل فإن عقله يقلل من أثر شرب كأس واحد ويظن أنه صار أبعد كثيرا عن العودة للإدمان.
التأثير الإجتماعي: تعتبر هذه الفكرة من المسلمات في علم النفس التقليدي حيث أصبحنا نعرف أكثر مدى تأثير المجتمع علينا. استعرض المؤلف مجموعة من الدراسات التي تكشف لنا أن تأثير المجتمع علينا أكثر مما نظن. وأن أحد أمثلة السلوك المدمر للذات هو أننا نميل إلى اعتقاد أننا أقل عرضة للتأثر بالأخرين. في هذا الفيديو شرح لأحد هذه التجارب وهي تجربة ميليجرام الشهيرة.
تشويه الذاكرة: تتحقق هذه الفكرة بعدة طرق كل واحدة أكثر مكرا من الأخرى. أولا نحن نعلم أن ذاكرتنا انتقائية وهذا وحده مصدر تشويه للذات. ثانيا نميل إلى تذكر الأشياء الجيدة عن أنفسنا ونسيان الأشياء التي تهز ثقتنا بأنفسنا. وعلى صعيد أعقد: نحن نتذكر قيامنا بالأمر السيئ في الماضي تحت ظروف أصعب، كي نشعر بالرضا عن أنفسنا في الحاضر!
التفكير الغير عقلاني والمعتقدات الخاطئة: يمتلئ عقلنا بالكثير من “الأوهام المريحة” والتي تؤدي بنا إلى نتائج سيئة أيضا مثل: مغالطة التخطيط حيث أننا في الغالب نميل إلى الإستهانة بالوقت الذي سنتم فيه المشروع. وتأثير قمع الأفكار حيث ثبت أن تشتيتك لذاتك أكثر فاعليه مع عدم التفكير في موضوع ما(الفيل الوردي). وهناك خطأ العزو الأساسي حيث نحكم دائما على أنفسنا من خلال نوايانا وعلى الآخرين من خلال أفعالهم وأخطاء الآخرين عيوب ذاتية أما أخطاؤنا فظروف خارجية. ذكر المؤلف سردا بالعديد من المغالطات المشابهة.
صنع القرارات: ويجمع هذا الباب قول المؤلف أننا نجيد معرفة ما نريده أكثر من معرفة لماذا نريده. وأنا الذات التلقائية تنزلق أحيانا إلى عدم إتخاذ أي قرار عن طريق مراجعة القرارات. والأهم من ذلك هو أن كثرة القرارات أو ممارسة قوة الإرادة تسبب تآكلا جسديا وعاطفيا (سيأتي تفصيل ذلك)
الشك الخاطئ بالنفس: وهنا يشير المؤلف إلى الثغر الأخير وهو أن “الذات الواعية” قد تهمل رسالة صحيحة من الذات التلقائية فنكذب حدسنا. المشكلة أننا حين نضرب جبهتنا ندما على إسكات حدسنا إذا كان صوابا فإننا نصاب بضعف الثقة والشك في النفس.
المبدأ الثالث: مرونة الدماغ
هذا المبدأ يذكره المؤلف في المقدمات كخيط أمل. ينص المبدأ على أن من أعظم الاكتشافات العلمية الحديثة في دراسات الدماغ وارتباطها بالسلوك أن الدماغ لا يتوقف عن النمو بعد فترة الرشد أو النضج كما كان يعتقد الكثير من العلماء سابقا وإنما للدماغ خاصية البلاستيكية. كلما تعلمنا أشياء ومهارات وعادات جديدة بنى الدماغ لها مساحات رمادية جديدة داخله. هذا الاكتشاف يفيد في أمرين: الأول أنك تستطيع أن تضيف عادات جديدة دائما والآخر أن جهدك في اضافة عادات جديدة لن يضيع سدى حتى حين تترك هذه العادات لمدة ما فإنك حين تعود لن تبدأ من الصفر وهذا وحده مشجع على المحاولة.