بانتون والألوان
صناعة ومال
كاندوشي قرية تقع على ضفاف الأمازون في البيرو تقطنها قبلية من 3000 شخص، محاطة بجمال وألوان الطبيعة الأخآذ. ما يثير الغرابة أن لغتها لا تملك صيغة تعبر عن كلمة “لون” ولا مفردات تعبر عن الألوان. يشير إلى ذلك أحد علماء الانثروبولوجي في زيارة له عام 2014 بعد أن وضع قصاصة لون برتقالي تميل للصفرة أمام مجموعة من هذه القبيلة سألهم "ما هذا؟" أحدهم يجيب بذكر نوع من أنواع السمك، وآخر يعبر عن اللون بذكر أحد أنواع البهارات. هذه القرية البدائية أفرادها يعبرون عن الألوان بالأشياء التي يعرفونها بهذا اللون. قد يبدو هذا الحوار غريبا للوهلة الأولى لكن علينا أن نتذكر تاريخيا أن مفردة اللون "أورنج" باللغة الإنجليزية - اللون البرتقالي بالعربية- دخلت أوربا من العربية بعد عام 1500 ميلادية وهي تحوير لكلمة نارنج أحد أنواع البرتقال. لكن بعيد عن أن الألوان شيء من الطبيعة وبعيدا عن قرية كاندوشي الصغيرة الألوان ليست مجرد مفردات وحسب، بل هي لغة أرقام وصناعة مال.
مفردة اللون "أورنج" باللغة الإنجليزية - اللون البرتقالي بالعربية- دخلت أوربا من العربية بعد عام 1500 ميلادية وهي تحوير لكلمة نارنج أحد أنواع البرتقال
السر: ألوان بالأرقام
بانتون الشركة التي تطلق على نفسها الهيئة العالمية للألوان (ذا قلوبال أوثورتي أوف كلور) تملك السلطة والنفوذ على تقرير لون سنوي يتطلع له المهتمون بالمجال الإبداعي بترقب كل عام في شهر ديسمبر. بانتون للألوان كانت شركة طباعة عادية في نيو جيرسي متخصصة بألوان مستحضرات التجميل والأزياء. سر قوتها أنها في ستينيات القرن الماضي إبتكرت نظام تصنيف بالأرقام للألوان، كل مزيج لوني بدرجة معينة يحمل رقم معين. وذلك بعد ملاحظة الأخطاء المكلفة التي قد تحدث لصعوبة التواصل بين المصممين ووكالات الإعلان والمطابع عن طريق تحديد اسم اللون فقط. هذا الإبتكار أسهم في تقليل الأخطاء وأحدث ثورة وفارق في التفاعل بين عدة أطراف، فقد سهل التواصل بين المصممين والمطبعة وخلقت لغة مشتركة مهما كانت الأطراف المعنية بعيدة عبر القارات. كما لم تعد العملية تقنية بحته بين المصمم والمطبعة لكن سهلة أمور لمن هم معنيين ومرتبطين بالعملية الإبداعية كالمسوقين أيضا. الألوان شي من الطبيعة وهي لا تمتلكها لكن تمتلك معايير وصف اللون وهو ما خولها لتكون هيئة عالمية للألوان…السر إذا بالأرقام.
لون العام..هل العام له لون أصلا؟
دأبت بانتون من عام 2000 على تحديد "لون العام" وهو من الوسائل التي ساهمت في سطوع إسمها أكثر من أي وسيلة إعلانية أخرى خصوصا لإرتباطها بالصناعة الإبداعية. ماذا يحدث بعد أن تعلن بانتون عن اللون؟ تبدأ بعض من الشركات المختلفة باستعراض عدد من منتجاتها التي تحمل نفس اللون لكن هل يكون هذا صدفة أو صفقة؟ قد تكون من باب المصادفة في بعض الحالات، ولكن ليس في جميع الأحوال. إذ تعمل بانتون قبل الإعلان بأشهر على عمل اتفاقيات مع عدة جهات تقوم على صناعة التصميم كالأزياء والديكور الأثاث الأفلام وغيره. تقوم اتفاقية عدم الإفصاح بإطلاع الشركات على اللون المختار وإدخاله على القليل من تصاميمهم حتى ما إذا تم الإعلان عن اللون تقوم بعض هذه الجهات بالإعلان في الشبكات الاجتماعية والمجلات المتخصصة عن مصادفة هذا اللون في مجموعاتها.
هناك شركات أخرى تقوم بالإعلان عن توقعاتها للون العام لكن الأقوى سيطرة على السوق هي شركة بانتون. لذا نجد أن في عالم التصميم قد نسمع في حوار ما " أي بانتون؟ " عوضا عن استخدام كلمة "لون" للسؤال عن درجة لون معينة، وهي على غرار إستخدم عبارة "جوجل" بدل من كلمة "بحث "في الشبكة العنكبوتية. هناك من يرى أنها ليست محاولة تنبؤ وتوجه لِلون السنة القادمة بقدر ماهي سيطرة على السوق وفيها أيضا حَد من إبداع المصمم.
حمى الإستهلاك
الألوان لها تأثير نفسي وإجتماعي على الأنسان وهي تدفعنا للتجديد والتغيير. فكرة لون العام قد تكون مريحة لبعض الشركات فهم في حاجة لأن يبدأو من نقطة ما خصوصا الشركات التي تتبع الموضة السريعة، هذا يريحهم ويوفر عليهم إقناع مدراءهم بأن هذا اللون هو المطلوب. وبعيدا عن لون السنة تعمل بعض الشركات على توفير ألوان محددة بين الفينة والأخرى لتحفز الإستهلاك. تجد إحدى الهواتف المحمولة المشهورة تصدر جهاز جديد بألوان محددة ثم تتبعه بعد عدة أشهر بألوان جديدة ما تلبث أن تنفذ من الأسواق يتفاخر أصحابها بالحصول عليها. وعلى صعيد آخر تتنافس الماركات بتمييز نفسها بألوان معينة لذا على سبيل المثال تجد نفسك ما أن يتحدث أحدهم عن ماركة الألماس الشهيرة تيفاني يظهر في مخيلتك لونها المائل للتركوازي الشهير، هذه الدرجة اللونية المميزة تحمل رقم معين تحتفظ بحقوق ملكيته والتي أعدته بالتعاون مع بانتون، وهو نفس الأمر مع أخضر ستاربكس، أحمر أحذية كرستين لابوتين أو لون كوكاكولا.
اللون تعبير عن تغير اجتماعي
هل اللون الذي تختاره بانتون يكون الغالب على التصاميم؟ هل رأينا ولاحظنا مثلا انتشار اللون الأزرق الذي اختارته لعام 2020؟ ماذا أيضا يحمل في طياته لون العام، ما يلفت إنتباهي دوما أن إختيار اللون عند بانتون يحمل معاني تغيرات إجتماعية أكثر من كونه موضة للون معين وتزول. أنه يظهر قدرت الشركة وفريقها على فهم التغيرات المجتمعية والثقافية وتأثيرها على الخيارات البصرية ومن ثم التنبؤ باللون. إن عملية اختيار اللون تبدأ قبل سنة إعلانه بسنوات يسبقه بحث وتقصي عن المتغيرات في المجتمعات بمعنى أنه سنة 2020 مثلا يبدأ التفكير بألوان سنة 2024. ينتشر فريق بانتون في أرجاء العالم يستكشفون الثقافات وما يحدث في الشارع العام والمهرجانات. يلتقطون ما يطفو على السطح من أفكار جديدة، وآخر صرعات بيوت الأزياء، وماذا يحدث في عالم السيارات، وكذلك يلحظون ما يحدث في الشبكات الإجتماعية وإذا مكان هناك مجموعات ذات إهتمامات جديدة، يسعون لملاحظة وإستبصار أنماط من التغيرات.
على صعيد أخر بانتون تطرح أيضا ألوان موسمية ربيع /صيف أو خريف/شتاء لقطاع الأزياء والديكور. يتم أختيار الألوان كما يصفها أحدهم في إجتماعات مغلقة مع خبراء لا يتجاوز عددهم 12 شخص من خلفيات مختلفة كعلم الإجتماع والأنثروبولوجي ومصممين أكاديميين ومن قطاعات مختلفة، لا تبدأ هذه الإجتماعات بالحديث عن الألوان، بل يتم تحديد موضوع بشكل مسبق حول مفهوم معين على سبيل المثال "الوقت " ثم يستعرض كل شخص لوحة إلهام أعدها حول الموضوع وكيف تعبر هذه المواضيع عن أحاسيس تقود للون معين.
ماذا يقول اللون عن عام2021؟
عندما تقوم بانتون بالإعلان عن لون العام - وهو عادة لون واحد فقط - فإنها تعرض درجة اللون المعلنة ورقمها، أحيانا لا تذكر درجة اللون بشكل صريح كالون الأصفر لهذه السنة لكن عبرت عنه بالمضيء أو المشع. يصاحب الإعلان بيان يصف اللون وسياقات اختياره بصياغة قصصية تستثير الخيال والشعور وما تحمله من دلالات معينة لترسم به صورة ذهنية معينة. لأنه كما هو معروف أنه في بعض السياقات قد يرمز الأصفر للمرض والإعياء وفي أحيانا أخرى على النشاط والحيوية والمرح.
إختارت بانتون لعام 2021 وعلى غير المعتاد لونين عوضا عن لون واحد وهما الأصفر “المضيء” و”الرمادي الجوهري” على حد تعبيرها، وهي ليست المرة الأولى فقد تم اختيار لونين أيضا عام 2016. تقول في البيان أن الناس وبسبب جائحة كورونا يبحثون عما يعطيهم حصانة عن حالة عدم اليقين التي يعيشونها ويعطيهم الوضوح والأمل والطاقة. لذا الأصفر لون الضوء والإشعاع فيه طاقة وحيوية ويشعرنا بالتفائل الذي نحتاجه في الأوقات الصعبة مع هذه الجائحة التي يمر بها العالم. أما الرمادي الجوهري فهو لون أساسي من الطبيعة لون الأحجار على الشاطئ ولون الجبال الصخرية الشامخة صامدة أمام متغيرات الزمن لون يوحي بالصلابة والثبات، ويؤكد هذا اللون على التحلي بالهدوء والاتزان والمرونة أمام صعوبات الحياة. وأن كان هذان اللونان يبدوان مستقلان ولا إرتباط بينهما لكنهما يعبران عن حال هذه السنة، نحتاج أن نكون عمليين ونتحلى بالثبات لكن أيضا متطلعين متفائلين أن الأشياء ستكون للأفضل.
يشير بيان بانتون كذلك إلى أن اجتماع اللونين -كون الأصفر المضيء مرتبط بالإبتكار والرمادي بالحكمة، يثير حس التجديد مما يدفعنا قدما للتفكير بأفكار وحلول جديدة ومختلفة وهو ما رأيناه فعلا منذ بدأت أزمة كورونا. بدأ الكثير بالتفكير بطريقة مبتكرة والنظر من زوايا مختلفة مع تعطل الكثير من أمور الحياة لإيجاد حلول سريعة ما كان ليتم التفكير بها بالظروف العادية.
أجد الصورة التي إستخدمتها للترويج للونين مثيرة للاهتمام كونها توحي لأبعاد مختلفة إذا ما حاولنا قرأتها. إذ تظهر فتاة ذات لون حنطي وشعر أسود أمام حائط يشع باللون الأصفر وبالرغم أننا لا نستطيع رؤية وجهها كونها مستقبلة للحائط تبدو فيه رمزية دول شرق اسيا وللعرق الأصفر، يظهر ظل الفتاة على الحائط وحركات يداها تبدو كأنها تحكي قصة لشخصين يتحدثان بحدة، ما الحكاية ويا ترى ماذا يحصل في الظل؟ الرمادي يظهر فيما ترتديه الفتاة من ملبس وعلى الرغم من أن البيان يتحدث عن اللون الرمادي في الطبيعة نراه في الصورة من نسيج من صنع الانسان. تبدو فيه مرونة وعملية يمكن فيه ايحاء لقدرة الانسان على الأبتكار وأن يطوع الأشياء لصالحة.
الألوان والأفكار
لماذا أتسأل عن الألوان وما وراءها من معاني، لنعد لعام 2016 عندما أعلنت بانتون للمرة الأولى عن لونين لنفس العام. اختارت درجات فاتحة وهادئة من الوردي والأزرق على حد تعبيرها ألوان متداخلة بهدوء تعطي شعور بالانسجام والتوازن للإنسان بسبب ما يمر به من ضغوط الحياة وإيقاعها السريع. لذا عبرت عن الأول "الكوارتز الوردي" لون الحجر الذي فيه طاقة شفائية روحية وجسدية – كما في بعض الثقافات - وهو لون فيه دفئ ويعطي شعور التوازن والهدوء، بينما عبرت عن الثاني بمسمى "الصفاء" الأزرق لون السماء الصافية يعطي شعور الرقة و الخفة و الراحة. وعلى حد زعم شركة بانتون اجتماع اللونين أثرهم أقوى نفسيا.
لكن على الصعيد الاجتماعي تذكر بانتون أن اللونين وتداخلهما فيها تحدي لفكرة ارتباط لون معين بجنس المولود، الوردي للفتاة والأزرق للولد. فقد لاحظت أن فكرة الأشخاص أحرار باختيار جنسهم وعلاقاتهم بدأت تنتشر وتطفو على السطح بشكل أكبر عالميا.
كان عام 2015 أول سنة عدة من بيوت الأزياء تدمج فيها عارضين مع عارضات على منصات عروض الأزياء بشكل واضح وصريح. وكذلك في الإعلانات ماركة الأزياء الفاخرة لوي فيتون اختارت جايدن ابن الممثل الأمريكي الشهير ويل سميث في إعلاناتها يظهر فيها مرتديا ملابس نسائية مع العارضات. يمكن ليست المرة الأولى في عالم الأزياء التي تقدم فيها أفكار غريبة تتحدى فيها المجتمعات لكن في تلك السنة تم تطبيع الفكرة وتقديمها على أنها مقبولة وأمر عادي.
بمعنى أن بعض الأفكار والثقافات تكون فرعية ومغلقة في عوالمها لكن مع الوقت تدخل السياق العام، التغيرات الاجتماعية مثل الموجات لها نقطة بداية يختلف طولها وسرعتها وانتشارها بعضها يختفي في زمن قصير وآخر يستمر دهر من الزمن. كما أسلفنا سابقا أن اختيار اللون ليس عملية اعتباطية أو تتعلق بجماليات اللون لكن قد تكون نقطة بداية لتغير اجتماعي يظهر على السطح وينتشر. رأينا بعد تلك السنة كثرة تطبيع فكرة الشذوذ الجنسي أو حرية اختيار الجنس في المسلسلات والأفلام الغربية، وقرأنا في الشبكات الاجتماعية عن امتعاض الكثير من نشر نتفليكس وغيرها هذه المفاهيم بشكل واضح. لذا في المرات القادمة عندما تعلن بانتون عن لون العام فكر ما هي المفاهيم خلف هذا اللون وماذا سيكون تأثيرها في المستقبل وهو ما دعاني للتفكر في الصورة المرافقة للونين الأصفر والرمادي وأبعادها التي ستظهر خلال السنوات القادمة. وتذكر أن الألوان صناعة ومال - ومن الممكن أن نضيف الآن- صياغة أفكار.