تحفّها الجبال وتحفك
أن تعيش هناك.. حيث الأودية والجبال الشاهقة، حيث صفاء الجو وحلاوته، حيث الأمطار الغزيرة الكثيفة المبهجة، حيث الأشياء تتنفس بعمق من حولك، الأزهار تتفتح، الفواكه تنضج. أن تعيش حيث الهدوء والسلام اللذان يملئان جوفك، حيث الجبال الشامخة تلك التي تملئك بالعزة والفخر، حيث السحب التي ترسم لك لوحة مختلفة كل يوم، وحيث الشمس الدافئة القريبة من قلبك. أن تعيش محفوفا بدفء العائلة والأصدقاء. أن تعيش هناك في المدينة التي تحفها الجبال وتحفك، تلك الجبال الشامخة، والهضاب والأودية التي لا يكتمل جمال اللوحة إلا بهما. أن تعيش هناك دون شعور أو رغبة بالانتماء سوى لجبالها التي استلهمت منها طموحك وشموخ همّتك، وغيومها تلك التي حين تختفي فهي تخبرك بأنه لا وجود لسقف يحد من طاقتك وقدراتك، وحين تتلبد السماء بها فإنها تهمس لك بكل هدوء: اطمئن وتروّى لأنك ستكون بخير.
أن تعيش هناك لا كرها ولا طوعا وإنما هو القدر الذي أخذ بك، هي تحقيق لدعوة الرسول صلى الله عليه وسلم "عسى أن يخرج من أصلابهم من يؤمن بالله واليوم الآخر". فلا المدينة تشبهك ولا الفرص هناك تتماشى مع طموحك، إلا أنها منحتك الإصرار والعقل الوقاد الذي لا ينضب أبدا. ذلك العقل الباحث والخالق للفرص، وتلك الروح الشامخة الطموحة.
أما اليوم فهو موعد الذهاب للمكان الذي تاقت إليه نفسي كثيرا، فهذه هي المرة الأولى التي أخرج منها من الطائف طوعا وحبا وحماسا لمكان سأقضي فيه ثلاث أشهر قادمة نوعية. المكان هو المدينة، وهو الأصدقاء، وهو العمل. المدينة هي الرياض، الأصدقاء فهم كثر، ومكان العمل هو المركز المالي. ذلك المكان الذي كلما ذهبت للرياض عزمت على قضاء بعض الوقت هناك للتأمل ورسم الخطط والأحلام. هو المكان الذي كتبت فيه قبل عامين الرسالة الجايّة معلقا آمالي وطموحي ومؤمن بقدرتي للوصول لها يوما ما:
أودعت أمنية تعلق قلبي بها كثيرًا حتى كاد أن يخرج من بين أضلعي ويستقر معها لولا أنه موقنٌ بقدرتي لتحقيقها، ولشدة تعلقه بالأمنيات تعمدت أن أضعها فوق قمة هذا البرج الشاهق وأنا وقلبي مؤمنين إيمان لا يشوبه شك أنني سأصل لها وسأفخر بذلك.
سترفعني هي تارة، وتارة سأتسلق بإصراري وعزيمتي وأجعل من الاصرار والتوكل داعمان لي حينما تهب العواصف وتزداد الرياح وتنعدم متعة الرحلة.
وها أنا ذا.. اليوم، ٢٨ مايو ٢٠٢١ بعد ما يقارب عامين من تلك اللحظة، أجدني حاملا نفسي بطموحاتها وأهدافها ورغبتها الجامحة في الوصول لنذهب بكل جسارة حتى نحقق تلك الأمنية التي لا زالت متشبثة في قمة البرج هناك، تلك الأمنية التي حانت قبل موعدها المتوقع بكثير وبشكل غير مخطط له أبدا، إلا أنها حتما قد حلّت في الوقت والزمان المناسبين.
اللهم ليس بجهدي ولا اجتهادي وإنما بتوفيقك وتيسيرك وكرمك
تذكرت كلمات الأغنية اللي تقول:
توّنا يا حلم.. قلنا باسم الله
توّنا يا حلم.. كيف حققناه
وينه أبعد نجم.. لأجل نتعداه
طموحنا أعظم.. وبيصير باذن الله