هذه الأيام


 

حيث العزلة والخلوة والحجر المنزلي وحظر التجول.

 

في الواقع، فكرة الانعزال عن العالم أتتني قبل كل هذه الأحداث المتسارعة، وكانت لأسباب كثيرة بعضها أعرفها وبعضها أشعر بها فقط-وكأن المشاعر هنا شيء لا أعرفه-. وحدسي يقول إن السبب الأكبر هي المشاعر التراكمية التي خلفتها أحداث متتالية أعي بوقعها على روحي وتأثيرها على مشعل. وبعد أن قررت تجربة أن أختلي بنفسي فشلت، وعدت المحاولة مرات متتالية لمدة تقارب الشهر ونصف، فشلت في بعضها وبعضها نجحت نجاحا وضيعا.

لنعود بالزمن إلى أول مرة خطرت على بالي فيها تجربة البُعد عن العالم(الخلوة). منذ بدايات ٢٠١٨ وأنا أمارس نشاط العزلة عندما تهب عواصف الحياة وتتكاثر مشاكلها، وأذكر تفاصيل أول أسبوع لي مع العزلة عن العالم، ولو أردت ذكر بعض تفاصيله فأولها أني كنت استمع للبودكاست في معظم وقتي، عند الاستيقاظ وعند النوم وأثناء الاستلقاء على الكنبة في الصالة وعند الذهاب بالسيارة لمسافات بعيدة. وأما عن نشاطي الآخر فكنت أفكر وأحلل أخطائي الماضية وأخطط وأرسم خطط مستقبلي وأهدافي، وبهذه البساطة حققت نتائج ملحوظة وغير متوقعة.

بعد استشعاري أثر تلك الأيام القليلة على العديد من جوانب حياتي وأولها النفسية؛ قررت العمل لجعلها عادة أسبوعية أو شهرية على أقصى حد. مرت الأيام والأسابيع وبدأ الشعور بعدم الفائدة من العزلة يكبر في كل مرة أنتهي منها وأعود محملا بهموم أكبر من تلك التي جئت بها، وذلك بسبب تطور الأحداث في حياتي وتفاقم التحديات والعقبات وانتقالها لمراحل أكبر من ذي قبل.

على كل حال، نعود لأحداث الشهرين الماضية..

كعادة الأيام والأحداث التي تبدو عصيبة عندما نواجهها بدون توكل على الله وإيمان به، قضيت تلك الفترة مليء بالأفكار التي أخذتني بعيدا جدا عن هدفي في هذا الفصل الدراسي والذي يشكل الجزء الأهم في مسيرتي الجامعية. بدأت أشعر بالإحباط والخوف والتشتت كما لم أشعر به منذ بداية الترم حيث أني تحررت في بدايته من هموم أثقلت كتفي خلال السنة والنصف الماضية.

 

أوه أعتذر على إسهابي الكثير..

نعود مرة أخرى،

بعدما هبّت العواصف واجتاحتني الأفكار والمخاوف من جديد وكأنها عندما اختفت في الشهر الأول من الترم ذهبت لتزداد قوة وخبث وتعود بشكل أكثر سوء ودناءة. عادت ولأنني غير جاهز لها تجاهلتها وأخذت تكبر وتكبر وتتغذى على تجاهلي لها حتى أصبحت تعرقل كل حركاتي وأفكاري وصحتي، وعدم امتلاكي الكثير من الوقت أعاد لي فكرة الانعزال من جديد.

هذه المرة كنت مدفوع بالخوف من خسائر عدة كانت على وشك الحدوث، خسائر قد تكلفني التنازل عن بعض أحلامي الكبيرة. ولأن أهدافي وطموحي هي أمور لا يجوز المساس بها في حياتي قررت مواجهة نفسي والتخطيط من جديد للتحرر من كل تلك الأفكار والمشاعر والأسئلة المنهكة (وركزوا هنا أنها كلها أشياء ذهنية غير ملموسة).

هنا بدأت المحاولات للعزلة في نهاية الأسبوع أستعيد بها عافيتي وطاقتي للأسبوع الذي يليه، وهكذا كل نهاية أسبوع أشرع في المحاولة وأحيانا تستمر بعض المحاولات لأكثر من نهاية أسبوع. شاركني صديق لي أحد محاولاتي وعدت بعدها وأنا أشعر بأني عطش للمزيد من الوقت مع نفسي أكثر من أي وقت آخر. أخذتني الأيام ومر بي حدث صاعق ومليء بالمشاعر التي لازلت حتى اليوم أحاول تفسيرها بكل صدق مع نفسي، كانت مشاعر جياشة وغريبة جدا وأول مرة تزورني. كانت المرة الأولى التي أتلعثم بها من شدة الصدمة.. وكانت المرة الأولى التي لم أخف بها ضعفي وأظهرته.

عدت تلك الليلة وأنا أردد جملة واحدة: أريد أن ألملم شتات نفسي قبل أن أتناثر أمام أحد، أريد أن أعيد بناء نفسي من جديد قبل أن تهدمني كلمة أو موقف أو شخص.

ومنذ تلك اللحظة وأنا بعيد عن كل شيء البعد المناسب، أأخذ مما أريد بقدر حاجتي، وأحاول التحرر من كل الأمور التي فرضتها عليّ الأيام وتحدياتها. وبعد هذه الأيام بفترة وجيزة أتى قرار تعليق الدراسة المناسب لحاجتي لبعض من رائحة أمي ودفء العائلة من حولي. عدت بعدها لمدينتنا واعتكفت على نفسي، وبكل صدق لم أستوعب الأحداث كحال الأغلب. بل كنت أعتقد أنها اسبوعين فقط وكل شيء سيعود كما كان. حتى اشتد الأمر وعظمت الأزمة هنا تيقنت أن الفترة هذه نعمة ورحمة من ربي لي ولكل شخص يحتاج المزيد من الوقت مع نفسه والمزيد من الوقت في البعد عن روتين الحياة اليومي. بدأت أمتلك وقتي كله ووضعت خطة واضحة وبأهداف واضحة لعزلتي وكانت مرنة جدا على غير العادة بحيث لا أحاسب نفسي على الانجاز اليومي ولا أراقبني لملاحظة بعض التغيرات الطفيفة، بل كنت ولا زلت مسلم أن كل شيء سيصبح أفضل مع الأيام-أنا وشخصيتي ومهاراتي وحياتي- جميعنا سنرتقي لدرجة أفضل ومرحلة جديدة. ضغط الدراسة كان له نصيب في أنني لم أنعزل بالشكل الكلي عن مواقع التواصل وعن العالم ولكن على أقل تقدير كنت أحاول ألا أستخدمها بشكل يخل بأهدافي من هذه الفترة. منذ الثامن من مارس وأنا أعيش كل يوم بشكل مختلف عن اليوم الذي يسبقه، بعضها بتخطيط وبعضها كما خطط لي الله. والشعور الأول الذي كان يطغى على كل المشاعر بداخلي هي أنني مؤمن إيمان تام بأن هذه الأزمة هي خير من الله ليس فقط على مشعل بل للأمة جميعها.

 

هنا تكمن رسالتي من كل هذه القصة المملة بالأعلى:

 

مع بداية الحجر المنزلي وحظر التجول بدأ الطيبين (دعوني أطلق عليهم الطيبين لطيب نواياهم) ببعض المحاولات في تشجيع الآخرين لاستغلال هذه الفترة بالتعلم، والتغيير، وممارسة العادات الصحية، ووجوب الشعور بالإيجابية المفرطة-تجاه أزمة بشعة لم تحل على عصرنا الحديث-، وغيرها من الأمور المخالفة للفطرة. كل هذه الشعارات الساذجة كانت تزعجني وتشعرني بالمسؤولية للحديث وتوضيح أن الخوف شعور لابد منه، والنوم الكثير مطلب بين الحين والآخر، وعدم ممارسة الرياضة أمر مباح، وعمل لا شيء هي مهارة لا يتقنها أغلب سكان الأرض؛ فتجدهم يخلقون شعارات مترفة كالذي ذكرتها قبل قليل. (ولا أعني من هذا كله أن تختلق عذر لكسلك، أبدا)

وأذكر شعار المرحلة المتعلق بهذه النقطة: ‎

 

‎“All of humanity's problems stem from man's inability to sit quietly in a room alone.”

 

لذلك فإن معظم أفعالنا الآن هي ردود أفعال طبيعية واجب علينا التصالح معها، فلا يوجد أشخاص خارقين للعادة يتعقدون أن توقف عجلة العالم أمر طبيعي، أو يقومون بالتطور العملي والعلمي على الفور في ظل ظروف قاتلة كهذه. بل كل شخص سيجد الرسالة الربانية من هذه الأحداث متى ما بحث عنها بداخله وسيساعده توقف الطيبين عن التشويش على عقولهم والانشغال بأنفسهم. وسيساعده أيضا خلوته بنفسه.

أخيرا،

 لا تخف، ولا تخجل، ولا تتعجل، ولا تشعر بالضغط، ولا بالنقص، أنت شخص طبيعي يمارس غرائزه الطبيعية، ولا يوجد خاسر في هذه المرحلة سوى الذي يفتقد لذة عيش اللحظة والنظر إلى قلبه وما تريده نفسه. كلنا رابحون بإذن الله متى ما زالت الغمة وزاح الهم ونحن بصحة وعافية.

نم جيدا، واطرح المزيد من أسألتك على نفسك ومن هم حولك، وجد نشاطًا يستهويك فعله ذهنيا كان أو جسديا -ولا تفعل ما ذكرته للتو كونها مجرد اقتراحات.

 


مشعل

 

لمشاركاتكم:

Join