"استمتع بالطريق حيث أخذك"


 

بعد قراءتك لهذه العبارة ربما يتبادر إلى ذهنك سؤال مثل " هه معقولة؟ معقولة تطلب مني التخلي عن خططي وأهدافي وكل الطرق المرسومة في مخططاتي.. عن أسباب بقائي مشتعلا بالحياة ومتطلعا للمزيد منها!". هل يعقل أن تطلب من شخص التنازل عن الطريق الذي يوده بشده ليقبل بآخر رسمته له الظروف والعقبات، تلك الرسمة ذاتها التي رضي بها ضعيف الهمة وفاقد الولع بالحياة.


طيب،

نقضي حياتنا ونحن نخطط ونرسم ونحاول تعبيد الطرق التي نعتقد بأنها هي الأفضل للوصول لأهدافنا، ونبقى متمسكين بها بكل قوتنا كي لا تأتي الأيام بأمر إزالة محطة ما كنا نلجأ لها كلما تعبنا المسير، أو بإضافة منعطف جديد يزيد من مشقة وطول الطريق. نرفض أن نسلك مفترقا جديدا لم نخطط للذهاب معه، حتى لا يجبرنا أن نسلك طرق لوجهات لم ندونها في مخطط أول العام ولم ترسمها عقولنا.

نرفض أن يتدخل أي أحد دون رضا مسبق من قبلنا في تعديل الوجهة أو ضبط السرعة أو حتى في طلبه بأن نتوقف للحظة.. لنهدأ ونتأمل المسافة التي قطعناها بجبالها ووديانها، بقممها وقيعانها، بتحدياتها وصراعاتها، بمكاسبها واحتفالاتها، وبخساراتها وأحزانها.

 

وعلى الرغم من كل هذا، فإن تمسكنا بالطريق يكون نتيجة لمحدودية خيالنا وتوقعاتنا للمستقبل، حيث أننا خططنا تلك الطرق لتكون مثالية جدا؛ فجعلناها خالية من الأخطاء والمفاجئات وتقلبات الأجواء وتعكر صفو السائق وخوفه وحماسه ورغبته الجامحة للوصول. ببساطة جعلناها طرق خالية من المشاعر تماما، طرق لا تشبه الحياة. نبقى متمسكين بخططنا لإيماننا بأننا أعلم بأنفسنا من أي أحد آخر، وننسى أن هنالك من هو أعلم بنا منا.

 

ولذلك، لو تفكرنا للحظة فسنجد أن الطريق سمته الأولى هي التغيير، فكل الطرق بمنعكفاتها ومفترقاتها ومحطاتها هي مسار يأخذنا لوجهة واحدة، وبالطبع ليست روما وإنما لأعمال نهاية طريق مفاجئة؛ للموت. إدراكنا لفكرة بسيطة مثل هذه هو ما يجعل مننا أقوياء لنتغنى بعبارات مثل "استمتع بوقتك، وبالطريق حيث أخذك" حيث أنك إن لم تفعل فالبؤس وعدم الرضا أمر محتوم عليك. أن تستمتع بالطريق يعني أن ترضا به وتبدأ في استكشاف أفضل الأساليب للاستفادة الكاملة منه، وحتما حينها ستسعد، وستبدع وتتغنى بأن الحياة تستحق الولع بها.

 

نهايةً،

أختم بمقولة غازي القصيبي -رحمه الله- الشهيرة للشباب: " عندما يومئ إليكم الفجر بخجل سيروا إليه بإصرار، وحين تهمس الحياة في آذانكم برِقّة أجيبوها بصوتٍ يصل إلى مسمع الشواهق، وعندما يباغتكم اليأس باغتوه بابتسامة الإيمان، وعندما تضج صدوركم بالأحلام الكبيرة كونوا أكبر من أحلامكم"


وأختم أيضا بأبيات لعائشة التيمورية تقول فيها:

 أفديكَ لَا تُضني الفؤادَ تَحسُّرا

بعَلامَ كانَ ولَم يَكُنْ ولمِاذا

 

وانظرْ تَرى مُلَّاكَ أرضِكَ قَدْ غَدَوا

بَعدَ العُلا تَحتَ الصُّخورِ جُذاذا

 

فاقنَعْ بمَا يَرضى المدبِّرُ واتَّخذْ

مرضاةَ صَبرِكَ والهُدى أُستاذَا

 

 


 

Join