ابليس قدوة للعالمين
بقلم: بنـّـدر بن محمد
منذ أيام انتشر مقطع لمشهور يتحدث فيه عن وجوب البحث عن المعرفة والتقصي وراءها وعدم الاكتفاء بالإجابات المؤدلجة المتكررة. وليس هذا موضوعي الذي سأتناوله اليوم فالأمر أخذ أكبر من حجمه، ولكن لفت نظري أثناء حديثه جملة " الشيطان صامل من زمان على العثي في الارض!! ". فكّرت ملياً في الأمر، وأدركت بالفعل أن الشيطان منذ حادثته الشهيرة مع عدم طاعته لله سبحانه وتعالى في عدم سجوده لآدم وهو يغوي بنو البشر، ولا عجب في ذلك لاسيما ان هذه هي مهمته من الأساس التي احياه الله لأجلها الى يومنا هذا! ولكن منذ متى كانت تلك الحادثة، ألف سنة؟؟ خمسة آلاف سنة؟؟ عشرة؟؟ عشرون ألف سنة؟؟ يُقدّر العلماء في أضعف الأحوال وجود جنس البشر على هذه الأرض منذ 40 ألف سنة!! كم شخصاً ولد في خلال تلك الأربعين ألف سنة؟! كم خطيئة فعلوها بنو آدم في تلك الأربعين ألف سنة في حق بعضهم البعض وفي حق أنفسهم؟! أيعقل أن إبليس وراء كل هذا؟؟!! أشك في ذلك، ولكن لو قلنا انه مسؤول عن ثلاثة أرباع خطايا البشر!!! لربما الثلاثة أرباع تقدير مبالغ فيه، فلنقل نصف خطايا الإنسان من وراء ذلك الرأس الملعون، أتعلمون؟! فلنقل أننا متعاطفون معه وأننا ظلمناه وقلنا انه مسؤول عن ربع ذنوب البشر على هذه الأرض طوال الأربعون ألف سنة، حتى ذلك يا عزيزي كثير، وكثيرٌ جداً!!
اصرار منقطع النظير
إن كان قد راودك سؤال " الى أين تريد ان تصل عزيزي بندر؟" فبكل بساطة أريد أن أقول لك أنه من الذكاء أن تتخذ الشيطان الرجيم قدوة لك في المثابرة والجد والاجتهاد وبذل الغالي والنفيس من أجل تحقيق المراد، والأهم من ذلك كله هو الوفاء بالعهد. نعم!! اتخذ ابليس قدوة لك. أربعون ألف سنة وهو يؤدي مهمته على أكمل وجه بلا كلل او ملل!! أربعون ألف سنة وهو يغوي بنو البشر ويحثهم على عمل ما يشيب له الرأس بلا كلل او ملل!! أربعون ألف سنة وهو لازال قائم على كلمته {قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ}. إن لم يكن هذا هو الوفاء بالوعود والالتزام بها فما هو قل لي بربك؟! إن لم تكن أربعون ألف سنة كافية للإقرار بأن هذا المخلوق الخبيث لديه إصرار وسعي لو أجتمع جنس البشر والجان لما أتوا بمثله إلا من أختصه الله فكم تريد عاماً يا سيدي الفاضل لكي تُقر بذلك؟؟
رغبة الخلود!!
من جانب أخر لطالما عُرف عن ضيف مدونتنا لهذه الليلة بأنه ذكي، وذكي جداً، وأنه صاحب حيلة، ومن المنطق انه لا يلجئ الى الحيل إلا الأذكياء - بغض النظر عن عامل القوة -. رغبة الخلود هي فطرة بشرية استند إليها الفلاسفة والمفكرون لتفسير بعض التصرفات لدى الإنسان مثل الرغبة في الإنجاب وحسن تربية الأبناء، والرغبة في ترك اثرٍ حسن وسُمعةٍ جيدة. فجميع ما ذكرته سابقاً هي رغبات لتحقيقه غاية الخلود المعنوي. وخمن من هو أول مخلوق أدرك تلك الفلسفة الوجودية؟! أحسنت، إبليس. فكر معي! ما الذي سينقصك او يغويك عندما تكون في الجنة ولديك مالا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمعت ولا خطر على قلبِ أحد؟! لماذا ضربا سيدنا آدم وزوجته حواء كل ذلك عرض الحائط وأكلا من تلك الشجرة؟! {... وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هذه الشَّجَرَةِ إِلَّا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (20)}، أستجاب أدم وحواء لفطرتهما البشرية التي أدركها كائناً غير بشري قبلهما!! وقس على ذلك وسوسته لقابيل قتل أخيه هابيل مثلا، وغيرها من المواقف والأمثلة.
فاصل …
تجسد اللوحة أعلاه لمحة عن ملحمة "الكوميديا الإلهية" للشاعر الايطالي "دانتي أليغيري". ألفها في القرن الثالث عشر، تعتبر هذه اللوحة من أبرز الملحمات الشعرية في الأدب الإيطالي. تحتوي الملحمة عن نظرة تخيلية للآخرة والجحيم حسب المعتقدات المسيحية. فحسب الكوميديا الإلهية، دانتي قسم الجحيم او الخطايا الكبرى المميتة الى 9 طبقات: الحسد، الغرور، الغضب، الشراهة، الشجع، الشهوة، الكسل. وفي اللوحة تجسيد لطبقة الشجع وتضم الغشاشين، والمنافقين، والمزيفين، والساسة الفاسدين ومن هم على شاكلتهم.
يلتهم الغشاشين والمحتالين أنفسهم في هذا الجحيم. وتجسد اللوحة مشهد معركة بين مُحتَاليِّن. صاحب الشعر الأحمر الذي يعض رقبة الأخر كان نصّاب، انتحل في الدنيا شخصية رجل ميت وكتب ميراثه لنفسه، اما الأخر صاحب الشعر الأسود فكان أقل نصبا من الأول فكان دجال مدعي للعلم. دانتي وفرجيل هما الظاهرين يسار اللوحة، ففيرجل في الملحمة هو رفيق ومرشد دانتي بين الجحيم والجنة. فكما يظهر لكم أن دانتي كان يضع يده على فمه من هول ما يراه!! اما فيرجل فكان يربت على كتفه مُطَمئناً له في اشارة منه لإكمال الطريق. وصديقنا الشيطان لابد أن يكون في المشهد أعلى اللوحة مجسداً رمز الشر الأبدي في مشهد تظهر فيه ابتسامته العريضة التي يستمدها من وجوده في موطنه الأصلي. ينظر بخبث لدانتي وفيرجل، والفرحة تملأ محياه لأنه استطاع خلق الخوف والذعر في داخلهم بشكل مباشر او غير مباشر. الجحيم في هذه اللوحة ليس كما هو متعارف عليه من نار وحجارة وتعذيب من الملائكة، بالعكس تماما كما ترون اجسادهم فهي في غاية الكمال والتمام، إنما الانسان من يعذب نفسه.
كن منصفاً يا سيدي المؤمن …
إنصاف العدو وإعطائه حقه ليس ضعف او خطيئة بالعكس، هو من باب (اعرف عدوك قبل ان تعرف صديقك) لكي تتمكن منه. فالشيطان يا عزيزي لا يملك سلطة عليك ليجبرك بارتكاب الذنب، ولا يملك كذلك الحجة السليمة القوية ليقنعك باقتراف ما يريدك أن تقترفه. إنما يملك الحيلة والذكاء في الدخول إليك من أبواب عدة، وأسهلها عليه وأسخفها كذلك هي أبواب الفطرة البشرية مثل الشهوات او الأمور الفلسفية الوجودية وغيرها. ولا يلام اي شخص عندما يكون هذا الجانب لديه ليس محصّن من وساوس الشيطان الرجيم فالأمر عميق وطويل ويحتاج الى تفصيل كثير للإلمام به، ومن الممكن إن سنحت الفرصة أن نتعمق ونفصّل أكثر في تلك الأمور لا لشيء سوى للحصانة من وساوس تكاد تكون في بعض الأحيان من النفس. في حفظ الرحمن.
الشيطان ليس شخصاً سيئاً, إنه فقط شخص وحيد يبحث عن أصدقاء يقضون معه الأبدية في الجحيم