ما بهم من العلاقات
بقلم: دانا العتيبي
خلف كل انسان، عدّة محاولات لعملية النسيان، ماضي عميق، مواقف صغيرة وكبيرة، منذ الصغر الى الكبر، صدمات عميقة تُحفر وتبقى داخل القلب، يبذل الإنسان اقصى جهوده محاولا تجاوزها وتخطّيها ومجاورة حياته والمضي قدماً، ولكن؛ يبقى الإنسان على كذبة يرددها طوال حياته وهي: (المضي قدماً، عدم اعطاء ردّة فعل، وان الذي فات قد مات)، ويعتقد آنها الحل الأفضل للمضي قدماً في الحياة، ولكن هل هذا فعلاً هو الحل؟ هل تساءلت يوماً لماذا أكثر الأشخاص الذين يجدون صعوبة في بناء علاقات آيًا كان نوعها؟ صداقة، علاقة عاطفية، وعلاقات العمل، يحملون ماضي عميق ومؤلم ومؤذي على عاتقهم، لكن وللأسف الشديد غالبية العوائل ينظرون اليها كمواقف صغيرة، وهذا الامر خاطئ جدا، الكثير من البيوت تُخرج أشخاص غير مستعدين لمجابهة ظروف الحياة والقدرة على التعامل معها لأسباب كثيرة.
المنزل ... من المعروف أن المنزل هو المكان الذي ينبع بالطمأنينة والأُلفة والدفيء وهو المكان الذي تستطيع ان تكون على فيه على طبيعتك، لكن هناك عبارة سمعتها من أحد الأشخاص: "الحياة ليست وردية اللون" صحيح ان هنالك بيوت، لكن لا تعتبر كل البيوت (منازل)، بعضها تُعتبر مكان للخلود الى النوم فقط، وربما للهروب من واقعهم المؤلم.
تفضيل الأخ الأكبر على الأوسط او الأصغر، التحكم في القرارات المصيرية كالدراسة والمستقبل المهني والزواج ويصل للأسف التدخّل ايضاً حتى في الصداقات والاختيارات الشخصية،
"لا تفعل هكذا وافعل هكذا" "لن تخرج معنا ابداً" "لا تأكل هذا وكل ذاك" "لا تُبني صداقة مع هذا الشخص وذاك" "اصمت عندما يتحدث أخيك الكبير واعتذر له حتّى ولو كان هو المخطئ في حقك" "لا تطالب بحقّك او لا تقل رأيك"
هذه المواقف من وجهة نظر البعض تعتبر (مواقف صغيرة) فقط تجاوزها يا صاح انهم عائلتك في النهاية، لكن هذا التفكير حتماً خاطئ ويولّد الكثير من الشخصيات اللينة والضعيفة والتي تتعرض للاستغلال كثيراً.
هؤلاء الأشخاص من سن المراهقة الى سنّ العشرين تقريبا، يجدون صعوبة في بناء العلاقات ويتّجهون للانطوائية والعزلة، لأن ليس لديهم خبرة ومعرفة في كيفية التواصل الصحّي مع الآخرين، ليس لديهم شخص في (المنزل) يستطيعون ان يطلبوا منه المساعدة، يريدون ان يبنوا علاقاتهم ويخالطوا الأشخاص، ولكن ضعفهم وخجلهم يتغلّب عليهم، فتجدهم يصبحون بلا هوية وبلا كيان، يفعلون أفضل ما عندهم للتقرّب من غيرهم والحصول على اصدقاء فقط لأنهم يريدون التخلص من شعور الوحدة القاتل.
اعدلوا بين أولادكم فى النَّحْل، كما تحبون أن يساووا بينكم فى البر
- محمد - صل الله عليه وسلم
أعتقد ان الحل الأمثل هنا هو اللجوء للأخصائيين النفسيين، فوجود شخص يساعدهم و يستمع اليهم من الألف الى الياء، و يبدأ معهم بخطة علاجية ورحلة صحية و طويلة، شخص يساعدهم في مجابهة تقلّبات و مصاعب الحياة، يساعدهم في بناء علاقات صحية لا سامّة او مرهقة، شخص يساعدهم في الاعتماد على انفسهم و عدم الاتّكال على غيرهم، شخص يساعدهم على بناء كيانهم و هويتهم، شخص يساعدهم على تجاوز آلام الطفولة و صدماتها، و اخراج كل المشاعر و التخلص منها و المقدرة على المضي قدماً، حتماً ستصلح الخلل الذي بُنيَ منذ الصغر وآثر على شخصيتهم.
الكثير من الأخصائيين النفسيين عندما يتم سؤالهم، ما أكثر الحالات التي تواجههم في العيادة؟
‘‘يجيبون: اندثار العلاقة الصحية بين العائلة، تفضيل الأخ او الأخت الكبرى على غيرهم، عدم الاستماع للآخر، اندثار التواصل الصحي.
وايضاً الكثير من المرضى عند سؤالهم عن طفولتهم من قبل الأخصائي ينفجرون بكاء، لكتمانهم طوال هذه المدة وعدم الافصاح عن مشاعرهم لأحد، وعندما يستمع لهم أحد من أطراف العائلة يتم (استصغار) مشاكلهم من حيث قولهم: توقّف عن الدراما، لا تكن شخص حساس..
هذا الوقوف والسبات يا صديقي لن يؤذي غيرك، الحياة مستمرّة.
الهمّ والكراهية لن تؤذي وتعذّب احداً غيرك، من أذاك سيكمل حياته مستمتعا بوقته، فلماذا تهلك نفسك؟ لما لا تركّز على كيفية بناء مستقبلك وتتعلم حُب نفسك من جديد وتقبّلها كما هي، بعيوبها واخطائها وماضيها، وتُسامحها مثل ما تُسامح الأشخاص الذين استغلّوا لين شخصيتك؟ الله كفيلٌ بكل شيء.
ندعوكم للاستماع لحلقة الأرشاد النفسي مع مها التويم من بودكاست في زاوية المقهى للتعرف أكثر عن عالم الصحة النفسية من خلال الضغط على ايقونة الاستماع.