كلُّ عامٍ متأمِّلًا في حديقةِ نفسي
ماذا يكتبُ المرءُ لنفسه في يوم ميلاده؟ أتأمّل هذا السؤال كما أتأمل أنها المرة السابعة والعشرين التي أدركتُ فيها حدثًا كهذا. أعيادُ ميلادي ليست بتلك الأهمية حتى أن أكتب حولها تدوينة ما. في صغري، كان لي ميلادُ واحد موثَّق، حيث كنتُ في رأس طاولةٍ مستطيلة وحولي أطفال الحارة باختلاف أعمارهم، وأمامي كعكة أرامكو الإسفنجية وأخواتي يصوّرن الحدث، وينشدن هابي بيرثدي حمود. كنتُ سعيدًا كأيّ طفلٍ في ذلك العمر، لستُ مدركًا أن حدثًا كهذا نادرُ التكرر حينما تكبر. كبرتُ. في المراهقة، لم يتكرّم طيشي بأن أحظى بعيد ميلاد، كانت الحياة غير مهمة، فماذا عن الاحتفاء باستمرارها؟ كبرتُ، ووجدتُ أن أعياد الميلاد تُختزل بفيديو لشخصٍ في مقهى أو مطعم، حوله غرباء يصفقون له، وينشدون هابي بيرثدي لمدة دقيقتَين ثم يُهدى هديةً غالية. أريد الاحتفال بيوم ميلادي القادم، ولم أتوانى عن السؤال، ماذا يفعل شخصٌ في أواخر عشريناته في يوم ميلاده؟ «سافِر»، «اخرج إلى البحر»، «اشتر ما تتمناه»، «أكرِم من تُحب»، «كُل في أغلى مطعم»، إلخ. لكنني فكّرتُ في «لمَ لا أكتبُ إلى نفسي رسالةً عامة أتأمل فيها ذاتي؟». هذا ما أفعله. هذا ما ستراه يا محمد.
كلُّ عامٍ وأنتَ بخير يا محمد. لقد بلغتَ السابعة والعشرين من عمرك. أنعمَ عليكَ ربُّكَ بوظيفةٍ بعد عناء دراسيٍّ طويل. فُصِلتَ من الجامعةِ مرتَين. أولاها، أصابك اكتئابٌ أكمدَ قلبك، وثانيها، نزَلَ خبرها كالصاعقة لعجزٍ تحصيليّ. عِشتَ الأمرّين في تلك السنتَين، جلستَ في قلبِ بيتِك لا تهجع نفسُك من البكاء والتحسّر. عجّزَتكَ التوقّعات، وعرقلتكَ نظراتُ عائلتك، لم تدرِ ما تفعل، تارةً تملأ الوقت لعبًا في غرفتك، وتارةً تذهبُ إلى الصالة الرياضيّة لتنأى بنفسك وتُرضيها. تعَبٌ ولا يزول. بدأتَ مجدَّدًا تقفُ على قدمَيك، تريدُ إثبات ما لا يُثبَت إلا لنفسك، جميعهم يقولون لقد أضعتَ حياتك، ومن هم دون سنّكَ أنجبوا، فلم تهتم بما يُقال. حفرتَ لنفسكَ طريقًا وصرتَ حزبًا وفردًا واحدًا. أخطأتَ وأصبتَ وأخطأتَ ولم تُصِب، لمَ كلُّ هذا القتال؟ ضدّ من؟ أنبتَّ لغتَك ووُلدتْ من لسانك الكلمات، بل صرتَ حديقةً من كلامٍ وشعر، لا ترى الحياةَ إلا بساطًا من الريح، تُذهِبُ وتُجيءْ، سحرتَكَ أمُّ اللغة واحتضنتَ الحديقةَ كلَّها وتجوّلتَ في داخلك، تملأ النفسَ عبيرًا وسحرًا كلّما وددتَ وأفسَحتْ حديقتُكْ. حالمًا، كنتَ تبصرُ احتراقها، وكانت هي الحقيقة، والحقيقةُ عينُها، وعينُها الجسدُ والرائحة والطيف والهالة. سكّركَ لطّخَ دمَكْ، واصطبغت حياتُك، تتهاوى متى ما شاء وتفيضُ. هل أنتَ بخير؟
أهلًا يا محمد. شكرًا على الرسالة. أنا بخير. أريدُ أن أبقى بخير؟ هل أنا بخير؟ نعم، أنا بخير. اعذرني على التردد في إجابة سؤالك. أفكّر به كلَّ يوم. أفكّرُ باحتراق الحديقة التي تجولّتُ بها في نفسي، وفي تلك السنين التي مضتْ. لا أعرف إن ستنبتُ حديقةٌ أخرى. أريدُ إنباتها، فالحدائق من شأنها أن تُنبَتْ، والبساتين أن يُتجوّلُ بها. فما الفائدة في حديقةٍ محترقة؟ ألأنّها دليلٌ على وجودها؟ أم هدايةٌ للحسرة؟ هذا يومُ ميلادي، أأفرح؟ أأحتفي بالحياة وتجددها؟ أما الكلمات كانت هاجسَ آدم في فردوسه، يتغنّى بها متى ما شاء، وإن ملَّ، أخرجَ صوتًا من فمه فكانت كلمة جديدة. لطالما تأمّلتُ في قدرته المذهلة على خلقِ كلمات جديدة. أما عن دمي، أنتَ قلتَ أني أفيضُ وأتهاوى متى ما شاء، ولا خلافَ هنا.
لا تخَف دورةَ الحياة. لا تَخَف دورةَ الحياة. لا تخَفْ دورةَ الحياة. لقد خِنتَ وطُعِنتَ ولم تبالِ إلا قليلًا. بل إنك تمخّضتَ بتراب الحسرة والوجع، وذعفتكَ الألسنة والأخبار. لكنّك بسقتَ كالزهرة وأضأتَ روحكَ متى ما ضيئت، وأبسمتَ ثغرك في الحُلكة، واقتسمتَ خبزَ الحياة مع من أحببتْ، ولو كان مالحًا في أحيان. وسايرتَ الكثير ولم ينغمس فيك إلا قليلُ القليل. يُقال بأنك تبتسمُ منذ صغرك وتضحك بلا سبب، وتحاول جاهدًا ألّا تصبَّ ضيقةَ صدرِك على العابرين والباقين، وتدعو للهدوء والسلام، وترى صفوَ الحياة على ضيقِها غالبًا.
لا أخافُ دورةَ الحياة، بل أخافُ ألا تدور يا صديقي. بلى، لقد خانني كثيرون، ولا أهتم الآن. فعلُ الخيانة فعلٌ فرديّ، وأحاول أن أرى الصالحَ في أيّ أمرٍ، دائمًا، ولو كان على حسابِ نفسي. أحب البسمة. هل تصدّق أنني حظوتُ ورأيت ابتسامات عديدة من الأصدقاء والأحباء، وجوه تبتسم، وجوه تضحك، وجوه تشرق. إنني أبتسم ولكن ليس كذي قبل. لا أعلم. فقدتُ الثقةَ بالناس، فقدتُ القدرةَ على رؤيةِ الحسنِ دائمًا، أخافُ، إني أخاف، أخافُ الغدرَ والطَّعنة. لا أصبُّ ضيقةَ صدري على الآخرين. هذا مبدأ أسير عليه. مهما ساءَ يومي، وخسرتُ البهجةَ به، أحاولُ ألا أنقل هذه الضيقة إلى غيري. إني لا أدينُ هذه الضيقة حتى إلى نفسي، أكرهها، وأكره أن أكون ضائقًا لكنها الحياةُ يا صديق. الهدوءُ أزيّن نفسي به، والسلام هو سلامُكَ أنت. لكن لا سلامَ إلا مع راحة، والراحةُ لا تجيء. لكنني أسرقُ سلامًا متى ما استطعتْ، السلامُ، هذه الأيام، عملةٌ نادرة. لستُ مع تسليعه لكنني أحبُّ هذا التعبير. أما صفوُ الحياة، أُمنِّي نفسي بصفوِ الحياة، وأرجوه.
صوتُكَ. صوتُكَ عِيبَ، لم تنطق دالًا سليمة ومخارج حروفك مُخرَّبة. لقد بترتها حساويّتُك. لكنها أنتَ. هي ما تميّزك، وهي ما تعبّر عن دواخلك وانكساراتك وارتفاعاتك وتخبّطاتك. لها علاقة وثيقة في معرفتك لذاتك، الصوتُ مفتاحُك الخاص لبابِ ذاتِك. به يُفتح ويُغلق. وترجماتُكَ التي سهرتَ وأنت تترجمها معبِّرًا فيها عن ذاتِك وبحرِ نفسِك.
صوتي هو صوتي، أوليسَ صوتي صوتًا؟ نعم ولا. نعم، صوتي هو صوتي وليس صوتَ أحدٍ آخر. لا، صوتي ليس صوتي، إذ لا أحد يفهم علاقتي به، لقد كرهته ثم أحببته حينما عبّر عني بالشعر. كنتُ أفهمُ ذاتي حينما ألقي شِعرًا على محبوب أكثر من فهمي لأفكاري الذاتية، وكما قلتَ، هو مفتاحي. أما عن ترجماتي، حينما أترجمُ أشعر أن دفقًا شعريًّا في رأسي مثل موجِ بحر امرئ القيس يرخي سدولَه في الدماغ، ومثل خمرةَ الأندرينا التي ذكرها ابن كلثوم ألتذُّ التذاذًا وأنا أقولبُ الكلمات كأني آدمُ شعريّ. هو ذا. ما أردتُ قوله أني أريدُ الاحتفال بيومِ ميلادي. فقط.
فلتُكن هذه التدوينةُ احتفالًا ذاتيًّا شبهَ شعريٍّ. كتبتُها وأنا أشعر بالكلمات تفيض من الناصية إلى اليدَين. أشربُ شايًا بالحبق وأشعر أن رأسي يدور كالعجلة، أردتُها عَلَمًا، وثيقةً، أو تأريخًا حديثًا للسابعة والعشرين. لهذا الرقم الذي ظننته أوليًّا ولكنه طيّبٌ مثلي، يرتضي القسمةَ ويحبّها ثلاثًا. هذه الأعوام، شعرتُ فيها بالكثير من الأشياء، جيِّدها وسيِّئها. وأريدُ إكمال حياتي على هذا النحو بالجيّد والسيّئ. أن أكبُرَ فأنسى وأن أعيش فأموت، أن أقبضَ على الحياةِ مرّةً ثم أتركها تسيلُ بطيئًا بطيئًا.
كلُّ عامٍ وأنت بخير يا محمد.
أحبّك