الپوست-روك أو ذاتُ الأشجان


ما يُبتدأ به عادةً هو بَسْطُ شعورٍ فريدٍ، كاد وجدُهُ يُفضِي كلّ الإفضاء، إلا أنني سأتكلم عن ذاتِ الأشجان بذاتِ الأشجان. لماذا «الشجن» إذًا؟ لأن الشجنَ الحزنُ، ببساطة. ما سمعتُ نغمًا فريدًا، إلا أن كان حزينًا، بل وأثبتت ذات الأشجان هذا الحزن العالميّ حتى في أبلغ عناوينها شعرًا. تارةً ترى فرقة «يندي هالدار» تنصرف إلى الشاعرية الطويلة بحضّها للعينَين بسَجْمِ الدمع، وتارةً تكشفُ فرقة «گاد سپيد! بلاك إمپرور» غورًا عميقًا لم تسطع أيّ موسيقا سَبْرَه، وكأنما خلقت شعورًا جديدًا (وموجودًا) بألحانٍ أليفةٍ غير مألوفة. على سبيل المثال -وستطول الأمثلة-، في ألبوم «التذّ بنعماء الله»، وبالتحديد في لحنِ «أنِر قلبي يا قرّة عيني» الدقيقة 4:12،  نسمع شيئًا جديدًا؛ ذا معنى وأمل —حزين ذي وجدان:

لا يكتفي اللّحن بهذا فقط، بل يُثقلُ بخفّته في الدقيقة 12:00. تعتمد ذات الأشجان على التكرار، وليس المملّ منه، بل تقلب تصوّرنا عنه، وكأنما نستجديه ونطلبه في كل ثانية من ثوان اللحن. لم أُبهر حقًا، إلا عندما استمعت إلى لحنهم الآخر، والمُعنون «هيلانة» في ألبومهم «شمسُ الأفول» حتى الدقيقة 6:20، وفيه نستمع إلى موسيقا في غاية العذوبة، موسيقا نكاد نجزم أنها مألوفة، ولكن لا نستطيع التثبّت منها؛ إذ —في رأيي— أن الفرقة تتعمد في خلقِ لحنٍ أليف ندورُ حولَه ولا نقعُ فيه، وتبلغ الألفة أقصاها في الدقيقة 5:00، ثم يُكسر اللحن في الدقيقة السادسة —كما ذكرت—.

إن خير ما لحنوا «حركةٌ، فانفجار». وفيه تُصبّ الأشجانُ صبًّا قلّ مثائله. يبدأ اللحن بالحركة البطيئة، وفي نوعٍ من التأمّل البديع، لكنه يتصاعد شيئًا فشيئًا، وينتهي بانفجار مدوٍّ. يقول [ويليام بليك] في «مزاوجة الجحيم بالنعيم»: «إنّ نمورَ الغضَب أكثر حكمةً من خيول الوقار»، وهكذا يمضي اللحن غاضبًا حكيمًا… فغاضبًا. هذا اللحن مليء بالانكسارات اللحنية التي لم تضفي إلا جمالًا فوق جمال.

لعلّ من بدأ في تشكيل ذات الأشجان لهم النصيب الأكبر في الإبداع. لقد خلقوا فنًا لم يوجد، وأخذوا بالخلق، بل والهدمِ أيضًا. لفرقة «گاد سپيد! بلاك إمپرور» حسنُ الابتداء وبراعة الاستهلال، فلم يأتِ أحدٌ بعدهم نافسهم في الجودة اللحنيّة والإسقاطات الشعريّة. يتصدّر ألبومهم «ارفع قبضتَيك، كهوائيتين، نحو السماء» كل ما أُنتج وسيُنتج من ذات الأشجان؛ إذ حاولوا ضمّ جميع الأساليب الشجنيّة فيه، وصوّروا ابتداء الخلق ثم فناءه: من الخلق إلى الفناء؛ من النعومة الشعرية حتى شدّة اللفظ وقساوته؛ من البشرى حتى الهلع. أفضت أفضل الدقائق الانتقال المفاجئ في اللحن إفضاءً بديعًا لم أجد مثيلًا له على الإطلاق، وبالتحديد (59:00 — 1:06:00). كأنما كانَ الناس منشغلين بشيءٍ ما —حتى سمعوا هلعًا قصيًّا لا سبيل إلى ردّه، فأخذوا بمشيٍ راقصٍ نحو المَوت هربًا منه.

لماذا ذاتُ الأشجان؟ لأنها اعترفت بي قبل أن أعترفُ بها. عادةً ما يجدُ الناس عزاءً فيما يستمعون إليه من موسيقا، إلا إنني أشعر بالعكس. أشعرُ بأن ذات الأشجان وجدتني عزاءً لها؛ لأننا نحنُ الموسيقا والألحان والخلَجات والكلمات، ونحنُ… الأشجان.

Join