حول قلق المرات الأولى (والبدايات): عدة تجارب شخصية
أقبلَ شهر رمضان الكريم، وأقبلت الإجازة معه. يعتريني قلق واكتئاب عندما يُقبل هذا الفراغ الهائل وهذا التوتّر تجاه توقعات الناس. حادثني صديقٌ قديم برجوعه للمملكة، إذ أراد مفاجأة باقي الأصدقاء كنوعٍ من المداعبات الطريفة الشائعة. لكن كانت علاقتنا سيئة، فأصابني غمّ. تذكّرت آنذاك وظيفةً شاغرة في إحدى المتاجر القريبة من منزلي، فاتّصلتُ على صاحب المتجر وتوظّفتُ فورًا. كان هذا قبل ثلاث سنوات، وكانت هذه أوّل وظيفة حقيقية لي. أتذكّر الآن أنّ فعلي هذا احتجاج -ولو كان من طرفٍ واحد- على تلك العلاقة التي لم تورثني سوى كره ذاتي. كنتُ قلقًا للغاية حينما أفكّر أنّ الناس سيتواردون على المتجر بشخصيّاتهم وأخلاقهم المتفاوتة؛ لأني انطوائي، وغير مبادر. أتى ذلك اليوم المحتوم. نهضتُ وقت صلاة الظهر، ثم صلّيتُ، واتّجهت إلى المتجر في ذلك القيظ. أكاد أجزم أنّ جلّ العرق الهتون من التوتّر وليس من لظى الشمس. فتحتُ المتجر. تعرّفت عليه كبائع. شغّلت الحاسوب فبرنامج الحساب. كان كلُّ شيءٍ جديدًا وغريبًا. بين الحين والآخر، أتلّفتُ لأرى ما إن جاء إنسان ليشتري.
كان حافزي الهربَ من ناس أعرفهم لآخرين أجهلهم. الحقيقة أن عالمي العاطفي وقتذاك كان ينهار: انفصلتُ عن الحبيبة، كانت هناك حربٌ في المنزل، لا أشعر أنّ أصدقائي هم أصدقائي. اخترتُ عزلة تامّة. أذهبُ للمتجر، أنظّفه، أرتّبه، أنتظر الزبائن جالسًا أقرأ الكتب. كنتُ أقرأُ فردوسَ دانتي، وكنتُ أغبطه لرفقته مع بياتريتشه، فكان يتأمّل جمال الله بجمالها، بل إنني كنت أتعزّى بكلماته التي ألهبت حبّي للشعر. بعد الانتهاء من العمل، كنتُ أذهب لشراء العشاء من مطعم دجاج مقلي، ثم أذهب للمنزل وأشاهد الأنمي الرائع -وصديق ذلك الوقت- «المعلم العظيم أونيزكا»، وكانت شارة النهاية تُشعرني بالحنين لذكرى لا أعرفها.
وبالفعل، قابلتُ شتى أنواع البشر: السؤول، الناقد، المهذار، الحنون، الذكي، الخجول، الوقح. لكلٍّ منهم قصة، ولكنني أحب قصة الحنون، وسأذكرها باختصار.
كنتُ يومًا ما أنظّف المتجر، وأمسح الغبار عن المنتجات، ثم دخل رجل مسنّ. طبيعة أطرافي، يديّ وقدميّ، باردة. أتى وصافحني، وأحس ببرودة يديّ، فأمسكهما بحنان، وأخذ يدفئهما، ويقول «يا ولدي ايدينك باردة، اسم الله عليك».
مضيتُ شهرَين في ذلك المكان المريح، ثمّ قضيتُ باقي الإجازة في القراءة والترجمة. كانت تلك التجربة جميلة، ولا أذكر تلك الأيام إلا بحفاوة عظيمة. سأعرض عدّة صور عشوائية لتلك الأيام.
أثناء الشهرَين الأخريَين من الإجازة الدراسية، تواصلتُ مع صديقة من تويتر تسكن نفس المدينة التي كنتُ بها؛ لألتقيها. كانت هذه هي المرّة الأولى التي أُقدم فيها على هذا الفعل: أنْ ألتقي بصديقة أنثى من الإنترنت. اتّفقنا على مكان وزمان، ثمّ ذهبت وأنا قلق جدًّا، وفي ذهني أسئلة غبية من قبيل «ماذا لو رآكما أحد أفراد عائلاتكما؟ مالذي ستفعل حينها؟». كنت متيقّنًا أني لو خضعتُ لهذا النوع من الأسئلة، فلن أعيش أبدًا. ثمّ رأيتُها. كان لقاءً محفوفًا بالمشاعر اللطيفة والأحاديث الشعريّة. أدركتُ بعد هذا اللقاء أنّني أستحق أن أُحب وألّا أُنسى. افترقنا وذهب كلّ واحدٍ منّا في حال سبيله.
ثم جاءت الجامعة بهمومها. اجتهدتُ وحافظتُ على تفوّقي الدراسي لمدة تقل عن فصلين دراسيين بسبب إقبال الجائحة. أظن أننا في غنى عن الحديث عن الجوائح، ولو على سبيل الإيجاز.
أقبلت سنة 2021 مع وعود جديدة وأحلام جديدة وخلافات جديدة. قضيتُ معظمها في التعلّم وصقل مهاراتي في تخصصي الأكاديمي (أمن معلومات وتحليل جنائي رقمي)، إذ كانت هذه السنة سنة اكتشافات وفتوح، حيث عرفتُ للمرة تلو المرة أنني لا أعرف شيئًا يُذكر، وأنّ العالم واسع، بل أوسع مما ظننت أو لم أظن. اكتسبت ثلاث شهادات خبرة في مجالات مختلفة في علوم الحاسب، وشاركت في مسابقة على مستوى المملكة في تخصصي. سأتّحدث عن هذه الأخيرة لأنها تجربة جديدة كليًَّا.
عندما كنتُ أقلّب قنوات التيلگرام، وجدتُ إعلانًا لمسابقة تقيمها منصة مختصة لأمن المعلومات، ومدعومة من جهات حكومية. سألتُ نفسي «لمَ لا أشارك؟»، فسجّلتُ بياناتي وأرسلتها. كانت المسابقة تتكون من أربع مراحل. الأولى عامة لمن سجّل حتى يتأهل أربعمئة شخص؛ الثانية يتأهل منها مئة وخمسون؛ الثالثة ثلاثون؛ الرابعة يفوز فيها ثلاثة أشخاص بجوائز ماليّة متفاوتة وفقًا لترتيبهم. في أول مرحلتَين، كنتُ أطبّق ما تعلمته مستمتعًا بالتحديات المختلفة والتي تختبر عددًا من المهارات المطلوبة. ثمّ حدث شيءٌ غير أخلاقي في المسابقة. لقد تطلّبت المسابقة اتصالًا دائمًا بالإنترنت، وكان بعض المتبارين يملكون اتصالًا عاليَ السرعة وحواسيب بقدرات عالية، بالإضافة إلى استخدامهم لخاصيّة «hint» في منصة المسابقة. فصارت المسابقة غير عادلة وتختبر قدرات لا يتساوى في أصالتها الجميع. لم يكن بإمكاني إلا التبليغ؛ ليضمن الجميع حقّه، فوعدتني المنظِّمة بمراقبة سلوكيات المتبارين واستبعاد الغشاشين، ولحسن الحظ، كانت المنصة تسمح بهذا.
التمعت في خاطري فكرة، فسألت نفسي «لمَ لا أبذل قصارى جهدي، وأصير في إحدى المراكز الأولى ليعطوني شهادة مشاركة على الأقل؟». جاء اليوم الموعود، يوم المرحلة الأخيرة. كانت لمدة يومَين متتاليين. حلفتُ أني لن أنام، وكنتُ أجاهد نفسي لحلّ التحديين. لضمان العدل، ألغت المنظّمة خاصيّة التلميح في المنصة، فلم يكن هناك إلا أنت ومهاراتك التقنية والبحثيّة. كان التحديان يتضمنان شبكة بنكية مصابة بفيروس فدية «ransomware» اسمه Zeus -وأسررتُ لنفسي: يا لسخرية القدر! لقد تقاطع تخصصي باهتماماتي الأدبية ويا ترى لمن ستكون الغلبة؟-. كان الفيروس يسرّب البيانات البنكيّة المحفوظة من الجهاز المصاب في تلك الشبكة إلى مخترق خارجي. كانت مهمتنا أن نصطاد هذا الفيروس، ونقمعه، ونطهّر آثاره من الحاسوب المصاب. قضيتُ يومين بصحبة الأغاني العراقية وطقطقة الكيبورد، ولم أنم سوى ثلاث ساعات. أصابني يأس حينما لم أستطع حلّ سؤال محدد، ولكنني ردّدت شعار شركة أمن معلومات مهتمة في اختراق الأنظمة: «Try Harder»، فحاولت وحاولت وحاولت حتى تمكّنت من حل التحديين.