قصتي مع السكري، أو أنا فيني السكر
التدوينة تحتوي على عبارات خادشة قليلًا؛ لطبيعة موضوع التدوينة. المعذرة مسبقًا.
البارحة، كنتُ مستلقيًا على السرير، لا يطالني نوم وأفكاري تعصف بي. فجأةً، مرت الذكريات، وبالتحديد، ذكريات بداية السنة عندما أصبتُ بمرض السكري. سألتُ نفسي «لمَ لا أكتب عنها؟»، فقررتُ أن أكتب عنها. لستُ كاتبًا جيّدًا ولا أرجو شيئًا ولكن قيل لي لربما ساعدتك الكتابة في شيءٍ ما.
مقدمة شخصية
أنا محمد، سأبلغ الثلاثين بعد ثلاث سنوات. إنسان لطالما قيل له أنه هادئ، وهذا صحيح. أكره الصِّدامات، وأحب الهدوء. قيل له أنه محبوب. هنا سأقف قليلًا وأدّعي أنه صحيح لكن في زمنٍ مضى لا الآن. لستُ أسِفًا على وجود بعض الأعداء في حياتي. قيل له أنه ليس ذكيًّا ذكاءً عاطفيًّا، أتفق مع هذه المقولة ولكن أنوّه أني بذلتُ ما بذلت في العلاقات العاطفية القليلة التي خضتُها. في الحقيقة، أرى أن تعبيري عن ذاتي لم يكن مباشرًا تمامًا ولكنّي لطالما عبّرتُ عنها في ترجمةٍ أو إلقاءٍ شعريٍّ أو حديثٍ عن شيءٍ شغفني. لكن، لم أكن يومًا مدركًا أنّ الأيام ستبدي لي ما كنتُ جاهلًا ويأتيني بالأخبار من لم أزود ولم أضرب له وقتَ موعدِ أيام إصابتي بالسكري. تلك الأيام غيّرتني وتغيرت نظرتي تجاه الحياة.
الرياض
تلوتُ هذه القصة مئة مرة، بصيغ مختلفة، سطّحتُها، عمّقتُها، قشّرتُها، دهنتُها، فصفصتُها، لعشرات الأشخاص ولمختلف الأعمار. بكيتُ أحيانًا وضحكتُ أحيانًا. غضبتُ في أوقات، وفي أوقات أخرى، أدركتُ ما غاب عني. لكن من أين أبدأ؟ هذا هو سؤال أي مؤلف يحكي تجربته. سأبدأ بالثانية فجرًا. في ذلك اليوم، عدتُ من العمل، وتناولتُ مع صديقي محمد الطعام. أنا كائن صيفيّ، أمقتُ البرد، ولم أحتمل بردَ الرياض. كنا نقطن في شقتنا الجديدة ولم تكن لدينا مدفأة، فشجعني أن نذهب لشراء واحدة. كانت رحلةً ممتعة، أشبه بمغامرة صغيرة لشابَّين من خارج الرياض أن يذهبا لشراء مدفأة. اشتريناها، وخلدنا إلى النوم. استيقظتُ الساعة الثانية فجرًا، أشعر بثقل جسدي، سمعتُ صديقي يخاطب زوجته في الهاتف، وأنا أشعر بجسدي يتهالك على السرير. ذهبتُ لقضاء حاجتي، وهذا غريب لأنني لم أكن أستيقظ لأتبوّل إلا نادرًا جدًّا. ثم عدتُ إلى النوم بصعوبة.
لم أذهب للعمل في اليوم التالي لأني أحسستُ باحتقان وحرارة، ولله الحمد والمنّة، العمل الفعلي لم يكن يقتضي وجودي، فاشتغلتُ عن بعد، وحالتي تسوء يومًا بعد يوم. قلتُ أنها إنفلونزا عارضة لأنها هكذا. أما وتيرة التبول الليليّة ازدادت حتى وإن لم أشرب إلا القليل. نزل محمد الأحساء، فكنتُ وحيدًا في الشقّة. قضيتُ نهاية الأسبوع على سريري، لا أستطيع التحرّك وطعامي قليل لأني إذا أكلتُ أشعر بتعب عظيم ولم أكن أعرف لماذا. كان أهلي يتصلون بي للاطمئنان ويتوسّلون أن أذهب إلى المستشفى. في الحقيقة، أنا لا أحب المستشفيات أبدًا، وإن مرضتُ لا أتناول أدوية ولا أذهب إلى الطبيب تحت وهم أن أدع جسدي يتشافى بنفسه. ولم يكن هذا هو السبب الوحيد. ما لم أقله أعلاه أني أستحي ولدي قلق اجتماعي. لا أعرف كيف أعبّر عن رغباتي وآلامي حتى لأقرب الناس لي، وهذا مؤسف؛ لأني فقدتُ بسببه رفقةً عزيزةً علي.
أتى السبت، فقلتُ لنفسي «وبعدين يا محمد؟»، فقمتُ وذهبت لأقرب مستشفى. أعطوني أدوية ومضادات وبخارًا لأتنفسّه. في طريق عودتي للشقة، شعرتُ بحالٍ أفضل، وأردتُ أن أكافئني وتوجهت لأقرب مطعم باستا وأكلتُ فَرِحًا مسرورًا. في الساعة الثانية فجرًا، تقيأتُها كلُّها. لا أعلم لماذا. هل كانت الأدوية؟ هل حدث ما أخشاه؟ هل كنتُ محقًّا في رغبتي عن الذهاب إلى المستشفى؟ لا أعلم إن كانت عبير تتذكر تلك المكالمة في تلك الليلة؟ لم أستطع أن أصوّر ألمي لها، كنتُ أغمض عينيّ وأستمع إلى صوتها فقط، وأتصوّر أنه حبل نجاة.
أتى الأحد. استيقظتُ لأكمل تقيّؤي، لم يخرج شيء. لمَ أتقيّأ ومعدتي خاوية؟ استعددتُ للعمل عن بعد، لم أكن في حالٍ يخوّلني للذهاب إلى الشركة. فتحتُ حاسبي وكنت أرى الكلمات تتداخل وتتمازج، وأنا أتألّم. اتصلتُ بصديقي أحمد، وقلتُ له «أحمد ودني المستشفى، مب قادر أسوق». ذهبتُ إلى المستشفى ودخلتُ إلى الطوارئ. أتاني نفس الطبيب الذي أتاني في اليوم الذي يسبقه، وقلتُ له ما حصل، فأعطاني أدوية فوق أدوية الإنفلونزا وإجازة مرضية مدتها يومان. عدتُ إلى الشقّة. وفكرةٌ واحدة في رأسي: أبغى أمي. عزمتُ إلى النزول إلى الأحساء، فاشتريتُ سفن-أب وزبادي وفطيرة لوزين لأني أريد طعامًا خفيفًا. كان خوفي أن أتقيّأ في طريق الثلاث الساعات ونصف. لكن الحمدلله وصلتُ الأحساء بأعجوبة.
الأحساء
استقبلتني أمي وأختي نرجس. ثم أتى والدي بعد مدة، وكانت ليلة دافئة أو هكذا أتذكرها. كنتُ أخاف الطعام لأني أخاف التقيؤ. عملتُ عن بعد في الأسابيع الثلاثة المقبلة لأني تحسّنتُ قليلًا لكن فجأة هذا التحسّن توقف في حدٍّ معين. كنت أتبوّل ما يقارب الثمان مرات يوميًّا، أغلبها في الليل. كنت أشعر بالتعب بعد الطعام. مرضتُ بالإنفلونزا مرة أخرى. حالتي النفسية كانت متردّية بسبب انفصال في علاقة عاطفية.
ربما يتساءل القارئ، ألم تعلم أنك مصاب بالسكري؟ أو أن هذه هي أعراض السكري؟ ببساطة، لا. لم أكن أخبر أحدًا بكل هذا، بل لم أرَ ضرورة إخبار أحد. استيقظت في أحد الأيام ونزلتُ إلى صالة المنزل. قلتُ لنرجس بما حدث لي، فقالت لي ممازحةً أنها أعراض السكري. وهي تعلم لأنها مصابة بالسكري منذ زمنٍ طويل. أخرجتْ جهاز القياس ووخزتني وقاست معدل السكر، فأظهر نتيجة صادمة: 337 وهذا بعد غدائي بساعتَين. صُدمنا نحن الاثنان. قالت لي لا بد أن أقيس معدل السكر الصيامي في المستشفى لأنه أدق.
ذهبتُ إلى المستشفى يوم الخميس صائمًا عن الطعام، وقِيس معدل السكر، ولا بد من تثقيف القارئ في هذه المسألة.
ظهرت النتيجة لمعدل السكر الصيامي، فكانت 225. ثمة أسباب عديدة لهذا الارتفاع ومنها أني مصاب بالسكري ولكن هذا ليس السبب الوحيد وليس علامة دالة وبيّنة لتأكيد الإصابة به. أخذت التقرير مطبوعًا وقالت لي نرجس أنه يلزمني مراجعة المستشفى في الرياض لأنني عائدٌ إليها بعد يومين من ذلك الوقت.
الرياض مجددًا
حجزتُ موعدًا في مركز السكري في نفس المستشفى الذي راجعته مسبقًا. ذهبتُ إلى الطبيب. أعطيته التقارير التي لديّ. أخبرني بكل برود «لازم نحدد إذا عندك النوع الأول أو الثاني». صعقني هذا التساؤل، هل نسيتُ أن أخبره شيئًا ما؟ ربما يحيد عما يقول. قلت له بانكسار «يعني أنا فيني السكر؟»، فقال لي «لا تخاف ما فيك إلا العافية» ربما لطمأنتي قليلًا؛ لأنه كما يبدو أن القلق يرفع من معدلات السكر في الدم. أعطاني جهاز قياس سكر وجدول لكتابة معدلات السكر قبل وبعد كل وجبة.