إشكالية الصمت في القرن الواحد والعشرين

(قيمة الضجيج)

 في القرن التاسع عشر لم يكن للضجيج حقاً للمطالبة بالقيمة بل أنها تشكّلت من تراكم معرفي حديث، أو ربما لم يكن الصمت موضع ارتياب أصلاً ليفتح سبيلاً للتفكر بقيمة الضجيج. لنتخيل أننا ندخل وسيلة ما تنقلنا من آننا إلى زاويةٍ في مقاعد الجمهور لأحد أفلام أبويّ السينما “الأخوين لوميير”، مشهد سريالي ذاك الذي يجمع بين حفنة من عدائي الزمن أبناء ما بعد الحداثة، والجمهور الأصلي جلاس اللحظات مهذبي عقارب الساعة. إن أفلام الأخوين لم تكمل دقيقة حتى، أي توازي مقاطع التيك توك في وقتنا الحالي وهذا بالمعنى الحرفي لمدتها ومحتواها! فأفلامهم لم تكن سوى توثيق للحظات الحياة العادية بلا سيناريو ولا حوار ولا أي افتعالات محبوكة مسبقاً. أولى أفلامهم كان "ساعة الغداء في مصنع لوميير 1895م" ومدته 45 ثانية.


تشع السعادة النفعية في سماء الزمن الحاضر والمثير أننا انسللنا لها خلسةً من غير أن نشعر كالزمن السائل (الشكر لزيجمونت باومان على المساعدة الوصفية)، ترتب على ذلك عدم القدرة على تحديد شعورك الحقيقي في ذات اللحظة التي تعيشها ويعود الفضل للخدر المهيمن على في المحيط الاجتماعي، فاستمد الضجيج قيمته رويداً رويداً حتى بات المرء لا يمكنه أن يمضي بضع دقائق ساكناً بلا أن يشغله شاغل. آثرت أن أشبّه هذه الحالة بالضجيج لما هو جليٌّ فيما يحدث من محاولة عامة لكسر الصمت الخاص لكل فردٍ منا، أي أنه فرضاً بالعرف من غير المسموح أن تجلس في مقهى ما خاوي اليدين ساكناً متأملاً، فلا مناص من النظرات الاستنكارية التي تقودك بحركة لا إرادية لالتقاط هاتفك، وهو درعك الحامي الوحيد حتى تنضم للدائرة الاجتماعية مجدداً ويحل بعدها الأمان من جديد.

لا يمكن أن نفكك نفسية إنسان قرننا هذا بسهولة لكثرة وتنوع العوامل المؤثرة. ما يمكن أن نخلص إليه أن تصمت ويصمت الآخرون؛ بالضرورة دلالة على أن الجميع منكبين على هواتفهم في الأحوال الطبيعية، والعمل أو كتاب في الأحوال الاستثنائية.

Join