في تغنّي البدايات

“الفال طيب”

“الفال طيب” جملة كان يلقيها أبي على مسامعنا حين ننطلق في سيارته لأي هدف كان، وتضيء إشارة المرور باللون الأخضر وكأنها تحتفي بإقبالنا عليها. لم يكترث أبي قط للإشارة الحمراء، فلا أذكر له تعليقاً واحداً عليها. غادرنا أبي منذ ثماني أعوام ولا زالت ترافقني استفتاحية الإشارة الخضراء. 

بتفكيكي لعبارة والدي الاستثنائية، خلصت إلى ما أشارككم إياه الآن. أننا وبقصور بشري نأمل الكثير بأي استهلالٍ إيجابي نبدأ به أمورنا، ونبأس لما يعاكسه. فنتمسّك في البدايات السعيدة وإن لحقها سيلٌ من الأسى، نذّكر أنفسنا بتلك السعادات الصغيرة المتكدّسة والتي شكّلت جبلاً يبدو لك راسخاً في ظاهره. وهنا، يقوم تساؤل حول مدى ثباته.. عودةً على أنه تشكّل بالأصل من محض تراكمات وبعض البوادر المنيرة.

“الأساس هو السبب الرئيسي لاستقرار أي هيكل. الأساس الأقوى يخلق بنية أكثر استقرارًا” 

                   جملة قرأتها في أحد المواقع المتخصصة في مجال البناء.

  • صلابة التربة
  • تنفيذ الأساس
  • تصميم الأساس
صلابة التربةتنفيذ الأساستصميم الأساس

يبين التوزيع البياني احتياجنا لأن نولي العناية بنسبة مقاربة للظاهر أعلاه بهدف الوصول لإعمار متماسك، وذلك وفقاً لقراءاتي المتواضعة، كما يتضح أيضاً أن أكثر ما تعتمد عليه رصانة البناء هو تنفيذ الأساس. إن تنفيذ الأساس يعتمد على الحمل الموضوع عليه، ففي حال كانت الأحمال بسيطة الثقل فمن المناسب تنفيذ أساسات ضحلة (أي غير عميقة)، أمّا في حال الرغبة برفع استطاعة الأحمال، لا يمكن إلا أن تُنفّذ في تأسيس عميق، ومن أهم هذه العوامل نوع التربة وقدرتها على التحمّل.


أثناء قراءتك للمقطع أعلاه تستشعر أنني أتحدث عن شيء ما لا علاقة له بالمباني مطلقاً، وظنّك في محله عزيزي القارئ. إنني حقاً في حالة اندهاش من مدى عمومية وانطباق أساسات عملية البناء على أي نوع تشيّيد كان. علاقة إنسانية، عمل، فكر وغيره.. يمكن أن تسقط هذه القواعد على أي هدف تريد.

إن كنت أرمي إلى أي شيءٍ هنا فهو دعوة للتفكّر في مدى جودة ما نقوم ببنائه ومتانة صموده. حريٌّ القول أن كل ما انهار سابقاً لا بدّ أن خللاً ما شابه، وكل ما هو آيلٌ للسقوط يحتاج لإعادة فحصه، أما ذلك الراسخ فيستحق جهدك الذي بذلته به للتقدير والثناء.


الترميم مسلكٌ وارد إن أُتيح في الوقت المناسب، ولكن لا تَخف من التراجع إن تطلب الأمر حتى وإن كنت قد أحرزت تقدماً ليس بهيّن، فبناءٌ مُحكم واحد خيرٌ من ألفٍ متهاوٍ. أقدِم ولا تتردد في وضع أمرٍ ما تحت المجهر هرباً من مواجهة نفسك أو غيرك بالحقيقة، والأهم أن تبدأ بتسخير الوقت والجهد المطلوب قبل وضع اللُبنة الأولى.

أرفق لكم حلقة من بودكاست آدم تناولت موضوع المسافات المقطوعة والجهد المهدور، باعتقادي أنه في حال لامسكم ما قرأتموه في التدوينة فأرى أن آذانكم قد وجدت ضالتها هنا.

كيف ننجو من ورطة القرارات؟

Join