هل تعلمت

كيف تتعلم؟

كنت مرشدا في أحد البرامج التعليمية المتعلقة بهندسة البرمجيات, فقابلت أحد الطلاب وقد أجتاز البرنامج في فترة وجيزة, وبعد أن تحدثت معه فاجأني حينما أخبرني أنه غير متخصص في أيٍ من تخصصات الحاسب أو الهندسة, فقلت له مالعامل الذي ساعدك في اجتياز البرنامج إذا؟

قال تعلمت كيف أتعلم!.

هذا الشخص أمضى وقتا في تعلم أساليب وتقنيات التعلم التي تجعل عملية التعلم عملية فعالة, و في الأسطر القادمة سنتحدث عن أهم الأساليب والممارسات فيها.

المجال مليء بالمواد المكتوبة والمرئية, لكن سنكتفي بمصدر واحد ألا وهو كتاب Learning how to learn للكاتبة برابرا أوكلي

قصة الكاتبة

برابرا أوكلي

عندما كنت صغيرة كنت من محبي الحيوانات والصناعات اليدوية, لكن ليس الأرقام, فعلى سبيل المثال كنت محتارة لماذا عقرب الساعات أقصر من عقرب الدقائق مع أن عقرب الساعات أكثر أهمية!.

التقنية هي الأخرى لم تكن أفضل أصدقائي, فلم أكن أعرف عمل جميع الأزرار في ريموت التلفاز, وهذا يعني أني لا أشاهد على التلفاز إلا في وجود أخي أو أختي , وهذا عزز عندي الشعور بأني لن أكون جيدة في مجالات الرياضيات والعلوم.

حدث أمر أخر فاقم المشكلة, عندما كنت في الثالثة عشر من العمر أصيب أبي في ظهره واضطر معها لترك العمل, وعلى ذلك اضطررنا للانتقال من منزلنا, واستمرينا في الانتقال من منزل لأخر, وحين بلغت الخامسة عشر كنا قد انتقلنا تقريبا لعشر مرات, في كل مرة أنتقل لمدرسة جديدة

ويفوتني جزء من مادة الرياضيات, فكنت أشعر بالضياع.

فقدت اهتمامي بشكل كامل في هذه المادة, وحاولت تجنب الأرقام مهما كلف الأمر.

العلوم أيضا في أول تجربة في الكيمياء, أعطاني المعلم أنا وشريكي في التجربة موادا كيميائية مختلفة عن بقية الفصل, قبل أن يتبين لنا أنه فعل ذلك ليُضحك الطلاب علينا, في الجانب الأخر كنت متميزة وأحب التاريخ وعلم الاجتماع وكل ما يتعلق بالثقافات.

بعد ذلك قررت تعلم لغة أجنبية, وبما أن جميع من حولي يتكلمون الأنجليزية سيكون من الصعب تعلم لغة أخرى, ووجدت أن الجيش قد يوظفني في حال قررت تعلم لغة جديدة, فتوظفت على أن أتعلم اللغة الروسية, قد تتساءل لماذا الروسية؟!, في الحقيقة ليس هناك سبب, المعهد كان لديه أساليب جيدة في تعليم اللغة, ورغم أن التعلم لم يكن سهلا بسبب سوء ذاكرتي, إلا أني أضطررت للممارسة حتى تمكنت من اللغة, بعد ذلك تلقيت منحة مدفوعة التكاليف بشكل كامل لأكمل دراستي للغة الروسية في الجامعة.

الجيش جعلني مسؤلا عن فيلق الإشارات وهو فيلق يتعامل مع التقنية, والرادو, والأسلاك, والهواتف, وهي الأشياء التي لم أكن أحبها سابقا, ولوهلة بدأت أشعر بأني عدت لدرس الكيمياء في المدرسة.

بعد ذلك أُرسلت إلى ألمانيا مع خمسين جندي من المتخصصين في معدات الاتصال, ولا أعرف كيف سأخبرهم كيف يعملون عليها, المسؤولون من حولي يعملون مع مجموعتهم بشكل جيد, فهم مهندسين ويجيدون التعامل مع التقنية والعلوم والرياضيات.

وحينما أصبحت في السادسة والعشرين من عمري قررت الاستقالة من الجيش, كان هناك عدد قليل من الأشخاص يرغبون في توظيفي, بحكم أن لغتي كانت جيدة, لكني لا أجيد أي مهارة أخرى تساعدني في الحصول على وظيفة, هنا أدركت أن اتباع الشغف فقط لا يمكن أن يعطيك الكثير من الفرص.

وبما أن الرياضيات والعلوم والتقنية أصبحت مهمة في هذا العصر, فأردت أن أحصل على وظيفة في هذا المجالات, لكن هذا سيتطلب مني أن أعيد تدريب عقلي على الرياضيات والعلوم لأستطيع المحاولة في الحصول وظيفة, هل هذا ممكن؟ قررت التجربة.

كرهت العودة إلى الجامعة لدراسة الهندسة, واخترت أقل مجال يحتوي على الرياضيات, وبدأت بأسهل أقسام الرياضيات, الجبر, في البداية كنت كالعمياء الطلاب يجدون الحل بسهولة وأنا لا أجد الحل, في الأشهر الأولى كنت أتساءل: هل قمت بالقرار الصحيح؟

لو كنت أعرف ما أعرف الاَن من مهارات التعلم لكن الأمر أسهل بكثير,

بعد عدة سنوات في الجامعة, فرصي في الحصول على وظيفة تحسنت, لازلت أعتمد على لغتي, على سبيل المثال عملت مترجمة في قارب صيد روسي, لكن بدأت اعتمد على مهاراتي التقنية وفي الأخير عملت في محطة إذاعة. وهناك تزوجت, وأذكر أن درجة الحرارة هناك كانت سبع درجات تحت الصفر. بالمناسبة تخرجت من الجامعة من تخصص الهندسة الكهربائية, وبعد أن عملت أربع سنوات كمهندسة, عدت إلى الجامعة للحصول على درجة الماجستير في الهندسة الكهربائية, وبعد عدة سنوات حصلت على درجة الدكتوراة في هندسة النظم, في هذه الأثناء بدأ بعض الأشخاص ينادونني دكتورة أوكلي, أصبحت خبيرة في المعادلات الرياضية المركبة والمفاهيم العلمية بعد أن كنت لا أجيد تشغل التلفاز.

لقد أعدت تهيئة عقلي لأتمكن من التغلب على نقاط ضعفي.

الان بعد أن أصبحت بروفسورة سأقوم أنا والمؤلف تيري بحكم أننا مهتمين بكيفية تعلم الأشخاص بطرق غير عادية, بشرح بعض الطرق التي ستساعد أي شخص لتعلم أي مجال, فهناك العديد من الأشخاص يعتقد أن تعلم بعض المجالات هو أمر مستحيل, لكن علم الدماغ أثبت عكس ذلك, وكثير من الأشخاص تعلموا عددا من العلوم لم يتصوروا أنهم قادرين على تعلمها.


والان دعنا ندخل في أولى المفاهيم المتعلقة بالتعلم, يتعلم الشخص في حالتين الحالة الأولى حينما يكون في قمة التركيز في أمر ما, أو حينما يكون في حالة التشتت.


حالة التركيز

هي الحالة التي تكون فيها مركزا في أمر معين, مثل حل مسألة رياضية, أو الاستماع لمدرس, أو اللعب بالبلاي ستيشن, أو تعلم كلمات من لغة مختلفة, أو حفظ القران.

عندما تركز في أمر معين أجزاء من الدماغ تعمل بناء على طبيعة الأمر, فعلى سبيل المثال عندما تقوم بعملية ضرب, تعمل أجزاء من الدماغ, وحين تتعلم لغة جديدة تعمل أجزاء أخرى, وحينما تقوم بالرسم تعمل أجزاء أخرى مختلفة عن الأجزاء السابقة وهكذا.

لذا عند تعلم شيء جديد يجب عليك التركيز بعمق على ما تتعلم لتستطيع تشغيل هذه الأجزاء من الدماغ وجعل عملية التعلم تبدأ.


حالة التشتت

هي الحالة التي تكون فيها مسترخي, لا تفكر في شيء محدد, تستمتع بوقتك, مثل إطلاق التفكير في أمر ما, الخروج للمشي, الاستحمام, فإذا أصبحت في حالة التشتت فأنت تستعمل جزء أخر من الدماغ مخلتف عن الجزء الأول الذي كنت تستخدمه وأنت في حالة التركيز., حالة التشتت تساعد خلق علاقات بين الأفكار والمعلومات التي كنت تكونها في عملية التركيز.


فتبين لنا أن العقل يحتاج لأن ينتقل بين حالة التركيز وحالة التشتت للتعلم بشكل فعال, فما هي الآلية المناسبة لتطبيق هذا الأسلوب في التعليم؟

أشتهرت تقنية تسمى تقنية الطماطم pomodoroوآلية هذه التقنية تتلخص في ثلاث خطوات:

اغلق وابتعد عن جميع المشتتات, اغلق الجوال والشاشة, وابتعد عن مناطق الإزعاج والضوضاء, أو المناطق التي قد تتشتت فيها لأي سبب.

ركز لمدة ٢٥ دقيقة في ما تعمل عليه, سواء دراسة أو عمل أو مشروع.

كافئ نفسك, تحدث مع صديق أو أخرج من المكان أو العب لعبة, لمدة خمس إلى عشر دقائق.


الزومبي

تسمي الكاتبة عادات الإنسان بالزومبي, ووجه الشبه هنا هو أن الزومبي يقوم بشيء معين ومتكرر وبدون تفكير لتحقيق هدفه, وهذا يشبه كثيرا العادات التي نقوم فيها بدون تفكير, ندخل المنزل فنضع الحذاء عند الباب, نبحث مباشرة عن الجوال أو نجلس عند الشاشة, نفتح الجوال عندما نستيقظ من النوم, وهذه العادات قد تكون جيدة أو سيئة.

العادات تأتي بالممارسة, فبعد مدة من ممارسة الدراسة بتركيز عالي ستلاحظ أن الموضوع لم يعد يتطلب مجهود عالي, ولترك عادة عليك تجنبها بقصد, وبعد ذلك ستلاحظ أنك بدأت في تركها.

فلو كنت تدرس وتستخدم الجوال للمراسلة, اغلق الجوال أو ضعه على الصامت, أو في غرفة أخرى, لو كان هناك شخص يتحدث إليك أخبره أنك ستبدأ بطماطة وتحتاج لأن تركز, وهكذا, وبهذه الطريقة ستبدأ ببناء عادة جيدة من التركيز والتغلب على عادات التشتت.


في عام ١٨٠٠ كان هناك قاتل يحب استخدام مادة كيميائية سامة تسمى الزرنيخ ليقتل ضحاياه, فالمسموم بهذه المادة يموت خلال يوم واحد تقريبا, في عام ١٨٧٥ خرج رجلان وأكلوا المادة أمام الناس وجاؤا من الغد وليس بهم بأس, كيف فعلوا ذلك؟

ببساطة كانوا يأكلون كميات بسيطة جدا منه بشكل يومي, وبعد فترة اعتادوا عليه وبنى جسمهم مناعة ضد هذا السم.

لكن اكتشفوا مع الوقت أن أجسامهم كانت تتضرر بشكل ضعيف يوميا لدرجة أنهم لم يلاحظوا هذا الضرر.

هذا فعليا ما يحدث عندما تأجل أي عمل تود القيام به, أو إنجاز تأجله, أو عادة سيئة تؤخر تركها, هو فعليا لن يؤثر عليك أثرا بالغاً الان لكن سيحدث ضرراً بسيطا فقط.


Join