هل نحن وحدنا؟

خرجت من المحاضرة في وقت متأخر بعد الساعة التاسعة مساءً بدقيقتين تقريبًا على غير العادة. في الأيام الماضية، لا تأتي الساعة التاسعة إلا ربع، إلا وأنا اقترب من مواقف السيارات. طبعًا فرق سبعة عشر دقيقة ليست بشيء يذكر، ولكن في يوم طويل يبدأ من الساعة الثامنة صباحًا، مصحوب بعدة توقفات، ويوم عمل كامل مليء بالمجاملات، ومن ثم شمس مرة أخرى، توقف، وشاي، ولاحقًا محاضر يصيبك بالملل بمجرد النظر إليه، دون الحاجة إلى ذكر حكايته عن مدى الدقة التي يمتلكها، الدقة التي تستطيع لمح النملة العرجاء في طرف القاعة أو يعيد تهديدك بالمقص الذي يحب استعماله في حال أعدت ترتيب الأرقام في العمليات الإبدالية. أتساءل هل المحاضرين أو الدكاترة بلا أصدقاء؟ ألا يمتلكون أحدًا يخبرهم بأن ثقالة الدم هذه ليست دلالة لا على الظُرف أو الشدة؟ عمومًا تحت ظل كل هذه المعطيات، سبعة عشر دقيقة فارقة جدًا. وأنا في الطريق، اقترحت على الصديق أن نذهب إلى الممشى، بدلًا من الالتقاء في الشقة، هذا الاقتراح أتى من رغبة حقيقية في المشي الذي اكتشفته مؤخرًا. يبتعد الممشى عن المنزل عدة خطوات، سنتين تقريبًا أراه كل يوم، وأرى الناس بمختلف الأعمار والأشكال يسيرون عليه، ولم أقرر ذلك إلا من أيام معدودة.

 

قبل الممشى، تحدثنا عن كل شيء، يشاركنا القشقوان وعش البلبل، عن الناس والدنيا والأقدار. الأحاديث التي نشعر للوهلة الأولى بأنها أضاعت بوصلتها، وفقدت الرغبة في الظهور، ذلك النوع من الأحاديث التي نشعر بأنها باتت تسري مسرى الدم أو النفس، التي قد نمضي العمر ونحن نحملها بين جنباتنا إلى أن يسيحها الوقت، ألسنا نسمع دائمًا أن الزمن كفيل بكل الأشياء؟ ماذا عن كلمات وأفكار مُلحة تظهر في أوقات معينة، وتختفي في أيام قليلة، إلا أنه يظل يصيبنا القلق من أن نقلق منها لاحقًا! لكننا نحن المحظوظين بالأصدقاء الذين يسمعون ويشاركون هذه الأشياء.

 

تتواصل الأحاديث بعد الوصول إلى الممشى. يحكي عن رحلته الأخيرة وغباء الإنسان، وأحكي عن تفويت هذا الكائن دائمًا للبديهيات. وصلنا إلى منتصف المجمع، نهاية أو بداية الممشى، وأخذنا نتأمل الخلق. لا جديد، أم تطارد أبناءها، وأخرى تبتسم لأحدهم، وأحدهم يرتب شعره، وآخر كأنه في مقابلة عمل، إلا أنه يقابل قهوة، ومن خلفه يقف على الطرف أحدهم يدخن السيجارة الإلكترونية وهو يشاهد أمًا ما تطارد أبناءها. لا إراديًا التفت إليه، وتساءلت ما معنى أن يكون الإنسان واقفًا بين هذه الجموع يراها تتحرك وتطارد وتبتسم وتشرب، ويشعر في قرارة ذاته دون التمادي في جنون العظمة أنه مختلف عنهم في المشاعر أو عدم الانسجام أو حتى عدم الشعور باللذة وسط هذه الحركة الصاخبة التي لا تتوقف !هذا يترك لدي فكرتين لازمتين أن الناس تبدو فعلًا سعيدة وكأن الدنيا بخير، والأخرى لماذا أشعر بالقلق من اللاقلق والغد وبعض الناس! ليقول لي فيما معناه ربما هذه تمثيلية، وكل الناس لديها مشاكلها الخاصة. خطر لي أنني سأشارك في هذه التمثيلية إذا ما تمرست في المشي، وتركت التفكير في الناس لشخص آخر.

 

في ذات اليوم أو في يوم لاحق، يفتتح كيليطو مقالة في كتابه "في جو من الندم الفكري" بتساؤل دائمًا أعيد صياغته وأضعه على موقع ريديت من وقت إلى آخر لأرى ماهي الأشياء التي يتشاركها الإنسان مهما كانت بقعته الجغرافية، يتساءل كما اتفق مرة مع صيغتي للسؤال: "ما هي أكبر لذة في الحياة؟"، الإجابات التي تصلني الموسيقى، النوم، الكحول، الشور الدافئ بعد مجهود رياضي، بدايات الصباح، كلمات التقدير ممن تحب، الترقية في العمل، المعرفة، يشاركك شخص منطوي أفكاره المجنونة، أن تتكفل الأيام بإثبات أنك على صواب، تحطيم الأعداء... إلخ. عبد الفتاح كيليطو يكتب أنه قرأ في أحد كتب الجاحظ إجابة معاوية بن أبي سفيان يقول فيها: "الشعور بالحَنق، بالغيظ الشديد". يستغرب من الإجابة، ويتمنى لو أن معاوية فسر لنا إجابته، إلا أنه يتساءل -تساؤلات كيليطو من ملذات الحياة بلا أدنى تردد- ماذا لو كان هذا الشعور بالحنق أو الغيظ الشديد موجهًا لا إلى شخص بعينه، بل إلى نفسك، نردد أحيانًا لماذا أنا بالذات دون الآخرين؟ لماذا يقع لي دائمًا هذا الشيء؟ لماذا أكرر ذات الأخطاء في كل مرة تتاح لي الفرصة؟ تستحيل التساؤلات بعد حين إلى عتب داخلي، هذا يحدث لي وحدي دون سائر البشر! شيئًا فشيئًا نتوهم أنفسنا ذات قدَر خصوصي، ونبدأ نحيل هذا إلى قوى فوق طبيعية مبهمة، غيبية أو نفسية، تتسبب دومًا في حظنا العاثر، ومواجهة قدرنا المحتوم الذي لا مفر منه!

 

لست مؤهلًا بشكل جيد لربط المعاناة/الألم باللذة، لكن كلنا نعرف شخصًا واحدًا على الأقل يحب البكاء دائمًا. أن نشعر بالاختلاف عن الآخرين لا على المستوى المعرفي أو الأكاديمي أو حتى المهني، بل شيء أكبر من كل هذا، أن ندّعى أن معركتنا مع الحياة ذاتها، وأننا مخصوصون من آلاف الجموع بهذا الحظ السيء، ونقرأ لمن نقرأ وندّعي مرة أخرى أن قدَر/حكايات المعذبين هؤلاء يتقاطع معك، ولكننا في نهاية المطاف أعظم حروبنا خيال. مع الأسف كيليطو الآن أفسد عليّ مفهوم المشى -يبدو عذر جيد لتركه لسنتين قادمة-، ورؤية الناس في الأماكن العامة، إما أن الجميع يشاركون بهذه التمثيلية نظرًا لمتطلبات الحياة، وأنه يجب عليهم التغافل عن ذلك القدر المحتوم أو أن الدافع الأساسي لخروجهم شيئًا ما يشبه التساؤل المعروف: "هل نحن وحدنا!".

الوليد
Alwaleed@hey.com

Join