الرقّة نحو فناء الأشياء
كل التغيرات في الحياة تصيبني بالقلق.
أذكر جيدًا الحزن الذي أصابني في المرحلة الابتدائية عندما نقلت من مدرسة إلى أخرى عندما اخبرت أمي أنه حان الوقت لأن يتم التعرف إليّ بدلًا من الترحيب بالمنضمين حديثًا، ومهمة التعرف على أصدقاء جدد لن تكون هيّنة. لذلك في الأيام الأولى من المدرسة تشاجرت مع الأضعف، وهي قاعدة ثابتة لعدم السماح للآخرين أن يتنمروا بالمنضم الجديد، حتى لا يكون لقمة سهلة. بكى الآخر، وبدأت باكتساب الأصدقاء. وُضعت في موقف آخر يتطلب المشاجرة مجددًا، تلك المرة تم جلدي بنجاح، ولكن بلا بكاء، لأن القاعدة الأخرى تنص على عدم البكاء مهما حدث. كانت هناك الكثير من القواعد المتفق عليها ضمنًا مثلًا عندما تضعك الأقدار أمام عدد كبير، وبدأت تشعر ببرود في الأطراف، وشريط حياتك القصير يعبر أمامك، ابحث عن الطرف الأضعف وتشبث به تشبثك بالحياة. عمومًا ظلت نهايات الأشياء أو تغيرات الحياة لازمة مقلقة من تلك المرحلة إلى بناء العلاقات مع الآخرين إلى الانتقال للجامعة إلى الانضمام مع مجموعة معينة إلى العمل الأول والثاني وقريبًا الثالث.
عندما بدأ الوعي يتشكل، أيًّا ما كانت تعنيه هذه العبارة، وجدت العزاء في فكرة أن كل الأشياء في حياة الإنسان تراكمية، ولا وجود لنهايات أو قفلة لأي حدث من أحداث الحياة. ويبدو لي الآن أن نتيجة هوسي بهذه الفكرة هي التي تجعلني ألملم معي حتى الأشياء المادية وأراكمها. أعرف يقينًا أنه لا فائدة أو قيمة أو حتى خاطرة قد تولدها هذه الأشياء إلا أنني أراكمها معي أين ما ارتحت. لدي دفتر من المراحل الابتدائية الأولى مزيّنة بعض صفحاتها بالنجوم الخمس، وعبارة كل المدرسين في هذه الصفوف: "أتمنى لك مستقبل مشرق". توجد صفحة تحتوي اسم صديق، لسبب لا أذكره جعلته يكتب بخط اليد اسمه ورقم هاتف المنزل! لدي مطبوعات لنُكت ذلك العام الجديدة، تشكيلة نادي الاتحاد 2005، ونسخة من واجب التعبير لصديق يمتلك خطًا جميلًا.
تمضي الأيام ونصل إلى كورونا. أعترف أنني لم أتوتر كثيرًا منه عندما بدأ وحتى في المنتصف والشوارع خالية والكل معتكف بالمنازل، وأشاهد تعليقات البعض بأنه تعرف على أبنائه بشكل أفضل وكأن هذه إجابة تستحق أن تفخر بها! ولكن مؤخرًا بدأت استوعب فكرة أن هذا العالم هش جدًا. في قلب الحدث امتلكني الفضول والتشكيك في حجمه، ومع اقتراب النهايات على ما أتمنى، باتت الصورة أوضح، الإنسان ضعيف والحياة غير قابلة للتنبؤ، وكل الأرضيات رخوة بشكل مجنون.
في ظل التعلق بالأشياء، وعدم وجود النهايات، وحتى الأفكار المتعلقة بكورونا، في معمعة هذه الملوخية، وقعت عيني على عبارة "الرقّة تجاه فناء الأشياء". أعتذر ستبدو كأنها كليشيه يحبها بعض القراء، لكن اسمحوا لي أن أقولها هذه المرة، لقد علقت هذه العبارة، بل أصبحت أتنفسها في الأيام التالية. أسمع موسيقى ما وتتبادر إلى ذهني هل هكذا يبدو رثاء الأشياء، هل هذا هو التعبير عن الحنان نحو الأشياء الفانية. أشاهد فيلمًا ما، عن تعلق طفل بحسناء خلال الحرب العالمية، تتفجّر لديه كل الخيالات الصبيانية، تخيل أنه محارب عظيم ينقذ المستضعفة، وتخيل أيضًا أنه ستفتح الباب كي ترمي معاناتها على كاهله، والنهايات هي النهايات. كل مشاهد الفيلم سأنساها بعد حين، إلا مشهده وهو يقف على الدراجة، والقطار يتحرك بها، مغادرةً القرية، دون أن تعرف عن وجوده، بينما هي كل الأشياء بالنسبة إليه. في تلك اللحظة طرحت الفكرة ذاتها، هل هذه هي الرقة المُشار إليها في العبارة! أن نعلق بالجمال حتى بعد رحيله.
كانت العبارة من كتاب "وجه القمر الآخر" والتي تحكي تأملات انثروبولوجي عن اليابان. بحثت عن المصطلح وعلاقته بالثقافة اليابانية، وجدت أن عبارة "الرقة تجاه فناء الأشياء" ليست ترجمة دقيقة لـ"Mono-No-Aware" والتي يمكن تعرفيها بالوعي أو الإدراك بأن طبيعة الأشياء في هذا العالم تسير إلى الفناء، الحزن النبيل تجاه زوال الأشياء أو يمكن القول باختصار رثاء الأشياء. يمكن تصوّره في تساقط أوراق الأشجار في الخريف، اللون البني المرقط بالأخضر للأغصان وهي تتناثر في الهواء، لأشجار الكرز، تمثل الجمال المطلق عند اليابانيين، وهي تبصر العالم لأيام معدودة وتختفي بقية العام. حزين جدًا منظر تساقط الأوراق، لكنه ينطوي على جمال باهر.
اعترف أيضًا أنني فتنت تمامًا بالمصطلح، وأخذت على عاتقي مهمة البحث عن مرادف له في واقعنا هذا. لا توجد لدينا أشجار كرز ناهيك عن أوراق صفراء تتطاير في الخريف. وأنا في الممشى الصديق القديم الجديد، أخذت أتأمل الأشياء من حولي بحثًا عن شيء يمكنه تجسيد المصطلح. الممشى عبارة عن بلوكات صغيرة في أجزاء منها متناسقة وأخرى ألقيت لتغلق المساحة المكشوفة من الأرض، وكأن العامل أراد التخلص منها أو أن الأرض تريد تغطية ذاتها بأي شكل اتفق. تمر على امتداد الطريق بمجمع سكني، أرض فضاء، ومن ثم مجمع سكني، ثم بقايا تل أو جبل أو أيًّا كانت التسمية لبقايا صخور مجتمعة، ويأتيك في النهاية شعار ستاربكس ليعلن عن بداية صخب المجمع. الأنوار بعضها مضاء والآخر معطّل. في الجهة المقابلة، حلاق، فندق، بقالة، محل سباكة، ومطعم بخاري. كل هذه التركيبة ليست غريبة تمامًا، يجب علي الآن البحث عن تجسيد للمصطلح. فجأة فتاة تسير ومعها كلب هاسكي، هذا ”غلتش” لا يعوّل عليه. مدننا قبيحة، حتى غواية بسيطة كالتعلق بالطبيعة أمر غير ممكن، وأتصور أن الصحراء يمكن إقحامها في أي فكرة ما عدا فناء الأشياء.
أفكر في أن التجسيد ليست بالضرورة في الأشجار أو الأمطار أو في تبدل أحوال القمر أو تقلب الفصول. كل الحياة خاضعة لهذا التغيير، تدور في ذات الحلقة، حماس البدايات، واكتشاف كل الاحتمالات، وعملية الاعتياد/الاحتضار وصولًا إلى النهايات. هذه الحلقة لن تخلو من القلق الذي يحل ضيفًا ثقيلًا في كل مرة، والخلاص بعد إدراك أننا حمّلنا الأشياء أكثر مما ينبغي، وأنه بات بوسعنا سرد حكايات التجاوز هذه، سواء لأنفسنا أو للآخرين. من الآن إلى أن أجد الاستعارة المناسبة في القطط الملقاة على قارعة الطريق أو في غياب الأصدقاء والأحبة أو حتى تبدل الأيام والأقدار والمصائر، ربما ينبغي علينا أن نكون أكثر تصالحًا مع الأشياء، أن نفتش عن الجمال الكامن فيها، وأن نسلم في نهاية المطاف أنها إلى زوال، أن هذا الجمال لن يكتمل إلا بهذا الزوال/الرحيل، وأخيرًا أن نكرر مع الرجل الحكيم: "تأتي لطيفًا، ترحل خفيفًا".
الوليد
Alwaleed@hey.com