هل الحوكمة تكفي؟



 

في السنوات الأخيرة بدأت الحوكمة في الانتشار، تعريفا ومفهومها، وتطبيقا.

وبناء على ما لامسته في بعض الممارسات سابقا.. نشأ لدي هذا التساؤل..

هل الحوكمة تكفي لإصلاح شأن المنظمة؟

سواء كانت جمعية أو شركة أو إدارة حكومية

 

هذا الطرح ليس اعتراضا على تطبيق الحوكمة ولكنه تأمل في أن تطبق بالطريقة الصحيحة وأن لا تكون مجرد تعبئة أوراق ونماذج ورقية والكترونية -كأنظمة أخرى سألمح إليها بعد قليل- لتضاف للواجهة الاعلامية دون أن يكون هناك توليد قيمة حقيقية تعكس تطورا إداريا ونموا اقتصاديا كما يرغبه ولاة الأمر حفظهم الله والمخلصون من المواطنين كثرهم الله.

 

 

في رمضان الماضي وأثناء دورة عن الحوكمة للجمعيات التعاونية وبعد التعريف بالحوكمة وأهدافها ووسائل تطبيقها وبقية المحاور.. كانت هناك نقطة جوهرية أثيرت أثناء النقاش بدأت بتساؤل:

هل نطبق الحوكمة لضمان المساءلة أم لتوليد القيمة؟

هذا التساؤل أعادني بالذاكرة إلى ممارسات كنت أشاهدها أثناء عملي في الوظيفة الرسمية وأخرى موجودة في بيئة الجمعيات!!.


كانت هناك أنظمة للجودة وأنظمة للسلامة المهنية وكان مطلوبا من الإدارات والدوائر المختلفة تطبيقها وفق معايير ومؤشرات وممارسات مكتوبة ويتم تقييم الادارة سنويا من قبل لجنة من الإدارة العليا، على نفس فكرة تطبيق الحوكمة مع اختلاف الموضوع والمعايير. فماذا كانت النتيجة؟

بعض الإدارات كانت تعمل  بجودة إدارية وعملية لأجل تحقيق أهدافها بكفاءة وتوليد القيمة المضافة لدى العميل الداخلي  والخارجي فكان انطباق معايير الجودة نتيجة طبيعية للعمل الجاد والمخلص. وفي المقابل كانت بعض الإدارات تتسابق في كيفية تعبئة النماذج الورقية والإلكترونية التي تثبت تطبيق ممارسات الجودة أو السلامة وليس الحرص على جودة الممارسة،  بل أحيانا عدم وجود أي ممارسة، فقط تعبئة نموذج يثبت تطبيقها وكانوا يتداولون كلمة "فبركة" - أي وضع معلومات غير حقيقية حسب المواصفات المطلوبة- وهي كلمة بطبيعة الحال أخف من كلمة (تزوير) التي وقعها أشد على الضمير. هذا في جانب الشركة.


اما في جانب الجمعيات.. فمنذ انضمامي لمجلس إدارة إحدى الجمعيات وأنا أسمع  بين فينة وأخرى عبارة( التحايل  على النظام، بالنظام) ، وعبارات من قبيل أنك لا بد إن تكون "حاذقا" وتعرف كيفية الحصول على الإعانات، من أين تؤكل  الكتف.. وعدة عبارات ما استطعت فهمها حتى أوضح لي صديق ماهي الحكاية، فقال لي باختصار:

هناك من  يعمل عدد من الإجراءات "السليمة نظاميا” ليحصل على إعانة لمشروع وهمي. وحجتهم أنهم يحصلون على الإعانة ليصرفوها على الرواتب ومصروفات الجمعية ولا يدخلون ريالا واحدا إلى جيوبهم!!

هل هذه الممارسات تثمر عائدا اقتصاديا فعليا؟

هل هذه الممارسات تحسن من وضع الجمعيات إداريا؟


لذلك، نحتاج أن نحرص على تطبيق الحوكمة كتابتا وفعلا، وأن تكون النزاهة دائما حاضرة سرا وعلنا.

عندما يكون هدف الجمعية فقط تعبئة نماذج الحوكمة لضمان عدم المساءلة، فسيرتفع احتمال "الفبركة". لتجاوز المرحلة الوقتية، وأعطي مثالا حول هذا:

أتذكر أحد الأشاخص أراد تجديد استمارة السيارة وكان لا بد من عمل الفحص الدوري ولكن إطارات سيارته كانت  قديمة ومهترئة، فماذا فعل؟

قام باستعارة إطارات جيدة وأدخل السيارة الفحص فحصل على يثبت " نظاميا" أن سيارته مفحوصة وسليمة ثم أعاد تركيب الإطارات القديمة للسيارة. وبعد فترة وقع في حادث نتيجة انفجار الإطار القديم.

 فهل تحقق الهدف الجوهري من الفحص الدوري؟

 لا نريد أن يكون التعامل مع نظام الحوكمة كمحطة فحص سنوي نركز فقط على تجاوزها بأي طريقة وإنما نريد أن تنطبق معايير الحوكمة على منظماتنا كنتيجة للممارسة الرشيدة والجودة العالية والقيمة الاقتصادية والاجتماعية.

إذا حضرت النزاهة فسيرتفع الأمل في  استثمار حقيقي للأنظمة وتطبيق فعلي للحوكمة وتقليل الهدر الاقتصادي.التحدي الذي يواجهنا أن النزاهة والرقابة الداخلية للشخص يصعب جدا ضبطها بالأنظمة والقوانين.

قد لا تكون تعبئة النموذج فبركة أو تزوير صريح، فقد يحصل من البعض تأدية الممارسة بصورة شكلية أو رمزية ليجمع بين إثبات وجود الممارسة ونفي وجود الفبركة.

أعرف أن هذا ليس تعميما وأحسب وجود كثير ممن لديهم الوعي والهمة العالية في التطوير. ولكن لا ننكر وجود الممارسات الخاطئة. وهذا  تذكير لنفسي ومن يقرأ هذا المقال من الإخوة والأخوات نابع من التجربة للتنبه من الخطأ لتجاوز وقوعه  وكما قال الشاعر:

عرفت الشر لا للشر ولكن لتوقيه

ومن لا يعرف الشر من الخير يقع فيه

 

الجمعيات التعاونية في المملكة أكثرها غير فاعل، وتطبيق الحوكمة قد يساهم في تحسين أوضاعها بشرط أن تكون معايير الحوكمة هي نتيجة طبيعية للإدارة الفعالة والقيمة المضافة التي تؤديها الجمعية.. اقتصاديا واجتماعيا.

 

فهل الحوكمة تكفي؟

مع وجود النزاهة والرغبة الحقيقية  في التغيير ، نعم..  سيساهم تطبيق الحوكمة في بداية تطور لمنظماتنا ، من شركات ، وجمعيات أو إدارات والذي يعكس ازدهارا لواقعنا الاقتصادي والاجتماعي والأخلاقي بحول الله ثم بتعاوننا على البر والتقوى.

... حتى يغيروا ما بأنفسهم


 

عبدالعزيز الشويكان

18/8/2020

Join