التسويق الصادق




 

كنت مع بعض الزملاء في أحد اللقاءات المتعلقة بالبزنس والتي نقيمها من فترة لأخرى لتبادل المعارف، وفي نهاية اللقاء أحضر أحد الزملاء عينه من منتج تابع لمتجره، وقدمه للحاضرين وعلق بعضهم على جودة المنتج ولكن كان يقول الزميل:" يا جماعة هذا مو تسويق"!!

 

فتوقفت عند عبارته وتفكرت!!

لماذا يقول هذا ليس تسويقا؟؟

وهل هناك حرج من الاعتراف أننا نسوق لأنفسنا أو لخدماتنا.. سواء بشكل مباشر أو غير مباشر؟

أسمع هذه العبارة تقال من وقت لآخر.

في مناسبة أخرى وأثناء لقاء حواري، كان أحد المدربين يتحدث في موضوع الحوار وتطرق في معرض حديثه لدورة تدريبية هو يقدمها وتحدث عن بعض فوائدها.. ولكنه أيضا أردف حديثه بعبارة، هذا ليس تسويقا للدورة!!

هل لاحظت أحدا من قبل يتحرج من التصريح أنه يسوق أو يعرف بميزة هو يمتلكها أو منتج يقدمه؟

نقصد بالتسويق كمفهوم شائع.. التحدث عن فائدة شيء معين سواء مادي أو معنوي، شخصي أو جماعي بعيدا عن التعريفات التخصصية والتفريق بين التسويق والاتصال المؤسسي والترويج والإعلانات وبقية المصطلحات.

 

بطبيعة الحال.. التسويق علم ويدرس ولا تكاد تجد أحدا ينكر ضرورة التسويق والحاجة له خصوصا في مجال البزنس، وهذا كلام مقنع من الزاوية المنطقية أو الأكاديمية النظرية،

ولكن.. هل قناعاتنا تطابق اعتقاداتنا؟

في الواقع.. القناعات شيء والاعتقادات شيء آخر.. وليس بالضرورة أن يتطابقا.

القناعات هي على مستوى العقل الواعي ولكن الاعتقادات فهي في اللاواعي أو العقل الباطن،

بمعنى.. قد تجد شخصا يتحدث بمنطق وقناعة وإقناع بضرورة المحافظة على الصحة، ولكنه يمارس سلوكا لصحته بسبب أن لديه معتقد هو لا يدركه ولا يشعر به يجعله يقدم على هذا السلوك.

واكتشاف المعتقدات لا يأتي إلا عن طريق الجلسات المتخصصة أو جلسات الكوتشينج أو عن انتظار صدفة لاكتشاف معتقد معيق- والصدفة هو تعبير مجازي ففي الكون لا يوجد صدفة.

نرجع إلى التساؤل حول التسويق..

 

أنا أستنبط من القصة أن هناك فكرة أو مفهوم سلبي (غير مدرك) عن التسويق والتي قد تؤثر بشكل غير مباشر على الشخص أو على أعماله دون أن يشعر.

 

الأمر قد يكون له أسباب متعددة ولكن في هذا المقام سأذكر فكرتين سلبية محتمل تواجدها:

-         الفكرة الأولى أن التسويق قد يتضمن فكرة الإيهام بفائدة شيء هو ليس مفيد في الحقيقة، بغية الوصول إلى جيبك ونقودك. ربما هذا نراه واضحا في الإعلانات مثل الشامبو الذي يحول الشعر من سلك نحاس إلى حرير، ويطوله ويجعله خاليا من القشرة في أقصر مدة، ويقيك من الفيروسات، ويجعلك شخصية قوية تتمتع بالحرية... الخ!!

 

سألت إحدى قريباتي ونحن نشاهد أحد الإعلانات البراقة: هل استفدت من استخدامك لهذا الشامبو طيلة هذه السنوات؟ فأجابت بضحكة ساخرة تقول: إنهم لأكثر من أربعين سنة يكذبون علينا ونحن لنا أربعين سنة نصدقهم.

 

الأمر ليس فقط في الشامبو أو كريمات الوجه.. فهناك المشروب المضر والمأكولات المضرة والأجهزة والخدمات الرديئة وغيرها التي تظهر في الإعلانات على غير واقعها. وفي عالم التسويق تستخدم أساليب كثيرة مرتبطة بعلم النفس في كيفية التأثير على المستهلك لجعله يشتري المنتج والغاية تبرر لهم الوسيلة.

هذه أمثلة من الأنشطة التجارية فقط، أما في الجانب الإعلامي فالحديث يطول.

الغريب عندما تسمع من رائد أعمال أن النجاح التجاري يحتاج الإيهام والتدليس وأن تلعب بالبيضة والحجر كما يقولون!! 

نعم قد تكسب بالكذب من جهة، ولكن المحصلة النهائية أو التبعات أو ما يسمى بالكارما فهي الخسارة وهذا موضوع كبير يحتاج تفصيل ربما نتحدث عنه في مقام آخر.

 

 

-         الفكرة الثانية -وهذه تظهر خصوصا عندما يتحدث الشخص عن نفسه- أن تحدث الشخص عن مزاياه أو جوانب قوته يعتبر شيء سلبي، وربما هذا يرجع لبعض المفاهيم المجتمعية أو الثقافية الموروثة، ويعطونها توصيفات كالتواضع أو إنكار الذات أو ربطها بمعاني ليس لها علاقة بالدين.

وهنا أتساءل.. إذا كان لدي ميزة أو قدرة أستطيع أن أفيد بها غيري، فكيف سيستفيد منها غيري وأنا لم أبينها للغير؟ّ!

فلا يوجد حل في هذه الحالة إلا تمني أن يعلم الناس الغيب، فيعرفون ماذا لدي، فمن سينتظر تحقق هذا الحلم المستحيل؟!

 

 

 إذن.. نحتاج إلى شيء يناسب ما نحتاج ويشعرنا بالارتياح.. فما هو؟

………

حسنا...

 

ما رأيك في التسويق الصادق؟

لا أعرف إن كان هناك من تحدث عن هذا المصطلح، لكني أرى تسويقا يفتخر الشخص بممارسته، يظهره ولا يتحرج منه، بل ويستقبله الناس بالترحيب ويزرع الثقة والأمان، ويجعلنا نتطور وفي نفس الوقت نحقق المكاسب المادية والمعنوية.

هذا التسويق له معياران، الصدق مع الذات ومع الآخرين، ونية نفع الآخرين. تجسدها في السلوكين الآتين:

 

1-   أن تتحدث بما تقدمه بشكل حقيقي خاليا من أي تدليس أو تزييف أو إيهام، أن يكون لديك الاستعداد لذكر المميزات والعيوب حسب ما تراه حقيقة وتجيب على التساؤلات بكل صراحة. وهذا يعزز المصداقية ويعالج الفكرة السلبية الأولى.

2-   إن كان لديك ما تفيد به حقا.. فاعرف أن هناك شخصا بحاجه إليك وينتظر أن تخبره بما لديك من أجله، فاستخدم كل وسيلة صادقة تجعله يقتنع بما لديك، فسوق لنفسك أو لمنتجك بلا حرج ولتكن نيتك هي تقديم القيمة له وليس التفاخر أو البحث عن المديح.

 

هذان السلوكان هما الضابطان الأساسيان في التسويق الصادق.. سواء كنت تهدف للربح المالي أو بدون مقابل، فالأمر واحد.

أما مسألة تقديم الخدمة لوجه الله فلا يصرح بها عند الناس فهي بينك وبين رب الناس.

 

 

ربما يقول قائل أن هذا صعب أو بعيد عن الواقع المنتشر.

صحيح.. قد يكون بعيد عن الواقع (الذي صنعناه نحن بأيدينا) ولكننا نحتاج التسويق الصادق حتى نصحح الواقع، ونحتاج أن نقرب القرآن إلى الواقع.

(يا أيها الذين آمنو اتقوا وكونوا مع الصادقين)

 القرآن هو منهج حياة.. ومتناسب مع الحقيقة ومع الواقع المتناغم مع الحقيقة.

يحصل هذا عندما تتحول معاني القرآن من مستوى القناعات إلى مستوى الاعتقادات.

 

قد يكون هذا صعبا ولكنه ممكنا.. وهناك من يطبقه.. حتى ولو كانو قلة وأتصور أن العصر القادم سيعطي الميزة للصادقين، فالأرض لم تعد تتحمل المزيد من الزيف.

 

الصدق منجاة ولو بعد حين.. هذه العبارة عميقة ربما سمعناها سابقا ولها تفسير عميق في علوم الوعي والتنوير، كيف أن الصدق يفيدك  في حياتك وفي أعمالك قبل أن تستفيد منه في آخرتك.

 

أنا لست متخصصا أو خبيرا في التسويق بجانبه الإجرائي و "العلمي"، فحدود معلوماتي هو ما درسته في الجامعة وبعض الدورات، ولا أعرف إن كان مفهوم التسويق الصادق هو موجود فعلا كنظرية سواء بهذا المصطلح أو بغيره. قرأت عن مفهوم ال conscious marketing وهذا أقرب ما وجدت لما طرحت.

فإن كان ما طرحته موجودا أو يتسق مع ماهو موجود فالحمد لله، وهي فكرة تكونت لدي من خلال ملاحظة الواقع فعبرت عنها من خلال هذا المقال، وأحب أن نستفيد من آراء الموجودين في الساحة في هذا الموضوع، نحتاج التعزيز من كل مهتم حتى يتحسن واقعنا وتزيد انتاجيتنا مع زيادة رضانا عن أنفسنا وهو الأهم.

 

التسويق الصادق.. يرفع من مستوى ربحك، ويزيد ثقة الآخرين فيما عندك، ويقربك إلى رضا ربك

أسأل الله أن يجعلني واياك ممن ينفع الصادقين صدقهم

 

عبدالعزيز الشويكان

Ashwaikan1@gmail.com

 

Join