الرأي والحقيقة والنظام الإداري


 

-         الشمس تشرق في الصباح. أعرف أنك لن تناقشني ولن تختلف معي على هذه الحقيقة الكونية الثابتة.

-         الطائرة هي أفضل وسيلة للسفر. أعرف أنه قد يختلف معي شخص آخر يفضّل السيارة مثلاً، فهذا رأيي الشخصي ولا ضير أن نختلف.

-         إذا أردت أن تجدد رخصة قيادة السيارة فعليك تأمين السيارة وإجراء الفحص الدوري وغيره من الإجراءات، فهذا نظام إداري سواء اتفقنا أو اختلفنا على صحته، فنحن ملزمين به مالم نتفق على تغييره.

 

السؤال: هل صادفت شخصاً يقدم لك رأياً شخصياً وكأنه قانون ثابت لا يقبل النقاش أو يرفض تطوير الإجراءات الإدارية وكأنها قانون كوني لا يتغير؟؟

 

قد ترى أن الأمر بديهي.. ولكن الأمر البديهي لا تجده دائماً مطبقاً بشكل بديهي!!

common sense is not always a common practice

لا أتحدث من وحي الخيال، وإنما من واقع التجربة، أن هناك من يفعل هذا ولكن دون أن يدرك. لقد مررت بتجربة قبل سنوات طويلة كنت فيها أتمسك برأيي لأني مقتنع به حتى أدركتُ الفرق بين الرأي والحقيقة والنظام فتغير المنظور وارتحت كثيراً.

هناك أمور فكرية هامة؛ لو رفعنا درجة الإدراك بها، ربما تجنّبنا العديد من المشكلات التي تحدث في الحوارات أو اتخاذ القرارات.

سوف يتضح لك الأمر، وتخرج بأسئلة تفيدك أو تفيد به غيرك، في جوانب مهمة جداً من حياتنا العملية والأسرية.

 

دعنا أولاً نتفق على مفاهيم المصطلحات الثلاثة التي نتحدث عنها بشكل ميسر بعيداً عن التعريفات الأكاديمية.

الرأي: وجهة نظر يقتنع بها الشخص ويراها صحيحة، ولكن ليس شرطاً أن تكون صحيحة.

مثال: الإسلام دين الإرهاب. هذه وجهة نظر شخص غربي أو شخص لم يعرف الإسلام إلا عن طريق وسائل الإعلام المعادية التي تراها صحيحة. ولكن هل هي صحيحة فعلاً؟

الحقيقة أو القانون الثابت: معلومة لا يختلف عليها اثنان.

 مثل: قانون الجاذبية الأرضية، حتمية الحاجة إلى الماء والهواء، حتمية حاجة الإنسان إلى الزواج!

توقف لحظة!

هل هذه حقيقة لا يختلف عليها اثنان على وجه الأرض؟

هناك رجال ونساء لم يتزوجوا طيلة حياتهم، بغض النظر عن الأسباب ولكن لا يمكننا أن نسميها حقيقة، قد نسميها أمر فطري شائع، حاجة متعارف على ضرورتها ولكنها بالتأكيد ليست قانوناً كونياً أو ثابتاً من الثوابت.

النظام الإداري: المقصود هنا هو (إجراءات وصلاحيات وسلوكيات تنظيمية تم الاتفاق على الالتزام بها من قبل مجموعة معينة من الناس). فهي ليست رأياً يختلف من شخص لآخر وليست قانوناً ثابتاً – أو من الثوابت- التي لا يمكن تغييرها. فهي ملزمة للأشخاص ولكن يمكن أن تتغير مع تغير الظروف ومع تطور المفاهيم، ويدخل في هذا المفهوم الأنظمة أو الأعراف الاجتماعية.

فمثلاً.. لو أردت أن تستخرج جواز سفر، فعليك تقديم خطاب إلى مدير الجوازات، وتعريف من عمدة الحي، وتضع الأوراق في ملف علاقي (الملف الأخضر) مع أربع صور شمسية وتستأذن من عملك وتذهب إدارة الجوازات، وربما عند وصولك إلى الموظف المختص يقول لك (راجعنا بكرة)!!

ربما رجعت بذاكرتك عشرين عاماً إلى الوراء.. أليس كذلك؟

نعم هذه هي الإجراءات التنظيمية المطبقة في الماضي القريب، ولكن هل بقيت ثابتة لا تتغير؟

لا. لأن هناك من نظر إلى الأنظمة والإجراءات الإدارية على أنها شيء قابل للتغيير والتطوير حسب حاجة الأفراد وتماشياً مع تطور العالم، لذلك وُجد نظام أبشر الذي من خلاله يصلك جواز السفر إلى باب منزلك.

تخيل لو أننا بقينا على النظام السابق؟

في الواقع أن هناك أشخاصاً كانوا يريدون أن نبقى كما نحن سابقا. أتذكر من كان يعارض نظام أبشر بحجة عدم معرفته بالتقنية، وأنها شيء جديد علينا. أتذكر على نفس المنوال من كان يعارض استخدام أجهزة الحاسب والبريد الإلكتروني في المراسلات عندما كنت أعمل في شركة الكهرباء.

في جانب آخر؛ الجانب الاجتماعي.. هناك من يرى صرف أكثر من 50 ألف ريال – حتى لو أقترضها من البنك- على حفل زواج لا تزيد مدته عن ثلاث ساعات، من الأمور الحتمية التي لا يمكن تغييرها!

وفي جوانب مختلفة أخرى.. فتش وسوف ترى أمثلة متشابهة أخرى كثيرة!

 

الخلاصة:

(التغيير هو سنة الحياة، وحتى يتغير واقعنا نحتاج إلى تطوير أفكارنا والتعايش مع التغييرات)

-         في الأمور الشرعية والأحكام الفقهية هناك من يتعامل معها وكأنها ثوابت وهي لا تتعدى درجة الرأي الاجتهادي، فلنتعامل معها على أنها رأي اجتهادي قابل للتغير.

-         في الجوانب الاجتماعية ثمة سلوكيات تحتاج إلى تغيير لأنها ليست ثوابت.. مظاهر الزواج والعزاء ودور المرأة في المجتمع من الأمثلة وغيرها الكثير.

-         في الأنظمة الإدارية نحتاج أن نجمع بين الالتزام بها وأيضاً السعي المستمر لتطويرها.

 

سؤال واحد وجّهه إلى نفسك أو إلى من يناقشك في أي قول أو رأي:

 

هل هذا رأي أم حقيقة أو أحد الثوابت أ إجراء إداري أو عرف اجتماعي قابل للتغيير؟

 

سؤال قد تراه بديهياً أو بسيطاً لكن طبقه وسترى وتكتشف بنفسك، ما اكتشفته بالتجربة بنفسي، وستدرك عمق ما أعني، وبعد الاكتشاف سيظهر لك حجم الفائدة، لك وللآخر.

فلنتشارك في تطوير أفكارنا، لتطوير واقعنا ونطبق الآية التي نحفظها جميعاً.

 

.... حتى يغيروا ما بأنفسهم.

 

ودمتم

 

عبدالعزيز الشويكان

 

Ashwaikan1@gmail.com

 


Join