الاختفاء مجدداً

كان يروق لي منذ الصغر اللعب مع الفتية الذين هم بنفس عمري

وكأغلب الأطفال كنت مشاكسًا, لكني رغم ذلك كنت أمتثل لكل أوامر أمي؛ فمثلًا كنت كل يوم أتناول حبة جزر قبل الخروج مساءً للعب مع الصبية، وقد ساعدني هذا لأرتفع مكانة بنظر أمي مقارنة بإخوتي, كنت مثلًا أستطيع المكوث خارج المنزل وقتاً أطول من المسموح به، وكانت أمي تغفر لي ذلك لأني لم أتخلف يوماً عن أكل الجزرة.

ذات يوم انتهى مخزون الجزر في بيتنا, ظل الجزر غائباً لأسبوع كامل.

كنت مرتابًا في اليوم الأول؛ هل سيُسمَح لي أن أمكث خارج المنزل كما يحلو لي؟

لم أكن أعلم متى ستوفر أمي الجزر من جديد, قلت في نفسي سأذهب اليوم دون جزر واختبرُ الموقف بنفسي.

ذهبت للعب، وكالعادة تأخرت عن المنزل ساعة كاملة, عندما عدت طرقت الباب ولم تفتح لي أمي، بل فتحت لي أختي الأكبر بعد بضع دقائق, كانت مستاءة مني وقد أدركتُ لاحقًا سبب استيائها وهو أن أمي قد أمرتها أن تفتح لي الباب.

عندما دخلت إلى أمي لأقبل يدها كعادتي كانت تنظر إلى الأسفل ولم تسألني عن سبب تأخري.

كان الصمت الثقيل مزعجًا؛ صمت أمي, صمت الغرفة، حتى قطة أخي الأكبر "مشمشة" لم تكن تصدر أي صوت.

اعتقدت أن هناك من اختفى من المنزل مجددًا كما حدث مع أبي قبل عدة شهور, عندها كسى الحزن ملامح أمي لأسبوع كامل وكان الزوار يأتون من كل صوب؛ من داخل المدينة وخارجها.

كنا نقدم لهم القهوة والتمر بكرم, لكني لا أعتقد الآن بأن أحداً قد اختفى لأني عندما تأخرت ساعتين في اليوم التالي لم تكن أمي غاضبة مني.

جاءت أختي لتفتح الباب مستاءة وفي هذه المرة كانت أمي مطأطئة رأسها وقد كانت تنظر إلى الأرض وهي تقدم لي العشاء, كان العشاء شهيًا؛ قطعة من الخبز المحمر بدهنة الزبدة مع البازلاء بالكفتة, كنت أحب الكفتة أكثر من البازلاء لأن الكفتة كانت أكبر وأقوى من البازلاء كما كان يقول لي أبي, تذكرت ذلك فقلته لأمي.

رأيت الدموع وهي تسيل على وجنتَي أمي, عندها تأكدت أن هناك من اختفى من المنزل مرة أخرى ورجوت الله أن لا يكون الجزر هو من اختفى.

للتواصل:

Join