أوراق بترولية مفقودة
2- التغريبة
2005
أقرب مسافة يمكن تخيلها بالنسبة له للوصول إلى غرفة 12 كانت من هذه النقطة. وقفت المركبة في الموقف المقابل للمدخل الجنوبي لجامع الظهران والمحاذي للرصيف المؤدي إلى مدخل ممر لاين 633 حاملةً نشوة عارمة لهذه المكافأة المهمة بعد يومٍ طويل في معمل الفزكس. كان 633 الوجهة الرابعة في رحلة تنقلاته بين مناطق الـ 6xx والـ 7xx، وهو أول مكانٍ استقر به الحال فيما يعتبره السكن المثالي أي السكن المحاذي لكلٍّ من: جامع الظهران، ومبنى الجمعية بما فيه من معمل الحاسوب (لاب الجمعية) والبقالة ومطعم سيد المأكولات (أو المحروقات كما اعتاد الطلاب على تسميته) والحلاق، ومواقف غير مزدحمة للسيارات، وبوابة جانبية للخروج السريع من الجامعة. لا يمكن في نظره الحصول على نهاية سعيدة لهذا اليوم أفضل من الوقوف في هذه النقطة والسكن في هذا اللاين بالتحديد وانتظار وصول “الطلب”.
المركبة المتوقفة لا تزال تعمل على غير العادة دون إشارة واضحة إلى نزول الراكب، شيءٌ ما على المقعد المجاور لفت انتباهه ليقرر على الفور التحرك مباشرة نحو جبل الظهران.
الساعة الخامسة عصرا في ممرات المبنى 5 الشبه مظلمة في مثل هذا الوقت. المصعدان هادئان وكلٌ منها ينتظر في المستوى الافتراضي المُبرمَج للتوقف عنده: الأول في الدور الأرضي والثاني في الدور الثاني. أبواب بعض مكاتب الدور الخامس لا زالت مفتوحة، وأصوات آلة النسخ تخترق حوار اثنين من الدكاترة العرب التي تكون عادة بعيدة وهادئة يلُـفُّـها سكون ثقيل. تنتشر في الممرات المفروشة بلونٍ رماديٍّ قديم رفوفٌ مكتبية ملقاة على الأرض بطريقة غير اعتيادية وبمحاذاة أبواب بعض المكاتب. بعض تلك الرفوف ممتلئة بأوراق مطوية بشكل منظم.
جرس وصول مصعد المتسوبيشي المميز يُعلن وصول شخصٍ ما لتَـخرُجَ الأصابعُ دافعةً باب المصعد وبأنفاس ثقيلةٍ في ما يبدو أنه سباق مع الزمن لإيصال “الهوموورك” قبل حضور المصحح لاستلام مجموعة اليوم حيث جرت “العادة البترولية” أن يسمح بعض الدكاترة بإحضار الواجب متأخرا وذلك إما بإدخاله أسفل باب مكتبه المغلق أو بوضعه في الرف الخارجي المخصص لمثل هذه الأغراض. الطالب البليد الذي لم يقم بفروض تجديد الولاء للدكتور لا يزال يبحث في الممرات عن لوحة تحمل اسم الدكتور المعنيّ فالزيارات المكتبية كما يعتقد كونها تحتمل طابعي الخضوع أو التهريج للحصول على مصلحة فهي تتصادم مع نظريةٍ اخترعها متعلقة بالكرامة الإنسانية. هذا النوع من الحس الإبداعي في تبرير الكسل لم يلفت انتباهه بعد أن أصبح هذا الحس جزءا من طبيعة عقله اللاواعي في التعامل مع مثل هذه “الضرورات” الأكاديمية.
في هذا الوقت العصيب، وبينما كانت طلبية الغداء -التي كان توقيتها مدروسا بعناية ليتوافق خروجه من المعمل مع وصول سيارة المطعم- تتجه إلى غرفته، تتجلى للطالب حقيقة أن الرهان على المذاكرة فقط دون زيارة الدكتور في ساعاته المكتبية رهانٌ خاطئ وهي حقيقة لطالما أزعجته في لحظات عصيبة مشابهة خلال كل فصل دراسي. أسلوب البحث عن الرف الممتلئ لتحديد مكان الهدف دون البحث عن اسم الدكتور أسلوبٌ ساذج في نظره، فمعظم الرفوف في مثل هذا الوقت ممتلئة. بعد تحديد مكان الهدف، تبيَّن أنه لم يكن هناك رفّ! وفي مثل هذه الحالة، من الصعب تخمين سرعة الإطلاق وزاوية الاتجاه لإدخال الأوراق المطوية تحت الباب نحو ظلامٍ دامس. علّمته دراسة المخاطر المبنية على التجارب البليدة في هذه الحالات أن احتمال وصول الواجب للمصحح انخفض إلى أقل من 50%، وأن ما يأتي متأخرا يفقد غالبا قيمته، وأن التسليم في مثل هذا الوقت هو نسخٌ سريع من “المانيوال”.
تلاشى الواجب في الظلام. خطوات الصندل الأسود العائدة القلقة لا تصُدر صوتا خصوصا على مثل ذلك الموكيت، فأثناء السير إلى المصعد لا يشغل باله سوى ثلاثة أمور: أولها توقيت وصول “شواطي” كما يسمِّيه، وثانيها أن عرق هذا الجهد هو استثمار في محاولات تفادي الرسوب بتوجيه الموارد نحو الركائز الجانبية (الهومووركات، الكويزات، الحضور)، وثالثها كويز الماث في الغد.
تُعتبر الوجبات الثقيلة بعد حصص المعامل خيارات انتقامية مثالية لتفريغ حمولة كبيرة من الضغوطات المتتابعة لما يُسمى بـالـ”فل دي” الذي يبدأ عادة إما في السابعة أو الثامنة صباحا لطالب الهندسة. خطوات الصندل الأسود تعود من جديد لكن بثقة وثقل شديدين مصدرةً أصواتا عالية على بلاط التيرازو بعد العودة من مشوار غسيل اليدين في دورات المياه المشتركة التي تقع في زاوية اللاين، استلقى مباشرةً على سريره الأيمن في مكانه المتميز بجانب الباب الخشبي الأزرق، ملتحفا بطانيته البنية الثقيلة المطرزة بالورود الحمراء ومديرا وجهه تجاه زميله الذي غرق مباشرة في فراشه الكحلي الخفيف مُعطيا ظهره للزميل ولكل ما ينتظره من مهام الغد العالقة على مكتبه.
يسود الهدوء السكن الجامعي وقت غروب الشمس وبينما يظل الصوت البعيد لأزيز إضاءتي النيون البيضاء الطويلة فوق رأسهما ثابتا، تتركز نظراته بشكل واضح على كتاب الكالكولس الأسود الضخم وما يحتويه من أوراقٍ دامية تحمل نتائج الكوزات القديمة التي اسلتمها صباح اليوم. يخترق مؤذن جامع الظهران في رحلته الشاقة لممارسة اللغة العربية كل ذلك النمط الرتيب ليدعو المؤمنين من الطلاب وعمال الجمعية وحاصدي المخالفات إلى صلاة المغرب. في مثل هذه الفترات الهادئة والخالية من الامتحانات والبروجكتات تكون الاستجابة في الغالب لنداءات الصلاة أقل مما هو متوقع.
مع بداية الليل، وبعدما استيقظ الزميل من رحلته القصيرة، يحين وقت فتح الكتب ومناقشة المحاولات الجادة للمذاكرة. راديو توشيبا الأسود مثبت عادة إلى MBC FM فلم تنضج الذائقة الطربية للزميلين بشكل واضح حتى الآن. اعلانات الام بي سي متتابعة عن جديد محمد عبده الذي شغل الناس، عن “الأماكن كلها مشتاقة لك” التي لا تتوقف لا في الصباح ولا في المساء وعلى كافة الإذاعات. ينطلق محمد عبده بالتزامن مع سكشن 8.3: Trigonometric Integrals ودخان المالبورو المزعج ورؤوس مثقلةٍ بالأرز الأحمر.
الكوزات المنزوعة من الكتاب مُلقاةٌ بعيدا على طاولة المكتب في محاولة يائسة لتحييد حالة الاحباط وتأجيل التعامل مع هذا النوع من الأضرار الجانبية إلى وقت لاحق. بالنظر إلى المحاولات المتكررة للاستغناء عن نموذج المذاكرة المثالية المباشرة من الكتاب الضخم، لم يحدث أن استوعب الزميلان بمجرد قراءة المادة المشروحة كما هي في الكتاب. جهاز قاموس أطلس المنتشر على نطاقٍ محدود لدى الطلاب المقتدرين في الجامعة لم يكن ضمن خياراتهما منذ اليوم الأول، والمشكلة هي أن البديل المتوفر -أي أحد كتابي قاموس المورد أو لونق مان- لا يوفر ترجمة كافية للمصطلحات الرياضية الثقيلة في كتاب الكالكولاس خصوصا فيما يتعلق بنظريات مثل الدوال المثلثية، بالإضافة إلى أن برنامج الترجمة المشهور حينها “الوافي الذهبي” لم يكن ذا قاعدة بيانات ضخمة تحتمل مثل هذه المناهج.
كان امتلاك جهازٍ محمول حلما أنيقا في ذلك الزمن، ورغم انطلاق حملة صندوق الطلاب لدعم شراء أجهزة محمولة، كانت الشروط المعقدة والمبالغ المطلوبة عقبة حالت دون استجابة كبيرة للطلاب وذلك قد يعود إلى 3 عوامل: انتشار ثقافة استخدام “اللابات” المنتشرة في أماكن متعددة، وانعدام شبكة الانترنت في السكن القديم، وغياب تقنية الأجهزة الذكية أي التي توفر جهازا متنقلا لتوفير الانترنت وما يتبع ذلك من خدمات باقات البيانات المحمولة التي جاءت في مرحلة متأخرة. النظرة الحالمة في مكتبة جرير إلى الأجهزة المصفوفة بعشوائية تحمل الكثير من المشاعر الخانقة لدى الطالب البسيط الذي يقوم بالتجول المعتاد لممارسة شيء من المتعة الكاذبة.
“الأماكن” لا تهدأ، وكذلك علبة السجائر. أصوات الضغط على الآلة الحاسبة تُسمَعُ بين الفينة والأخرى لكن دون نتيجة في ما عدا تلك المرة: “الله عليك” يصرخ الزميل المستيقظ قبل قليل معبرا عن فخره في الوصول إلى نتيجة مطابقة للمسألة التي حلها الدكتور أثناء شرحه بعد أن ضرب بيده على صفحة الكتاب ليُلقي الآلة الحاسبة ويتناول علبة السجائر لأخذ قسط من الراحة. يُخيَّل إلى الزميلين الذين يعيشان دائما هذا النوع من الإنجاز التافه أنهما يقومان بالخطوة الصحيحة الأولى لاجتياز المادة. تنتهي عادة تلك الليالي المبتدئة بهذا النوع من الإنجاز بالبحث عن شخصين إضافيين لإكمال الـ”أربعة” وبالتحديد في اللاينات المقابلة لمبنى السنة التحضيرية “الأوريا”.
القط المستلقي فوق سور ممرات 633 يلتفت بهدوء إلى الصرخة العابرة هناك آخر الممر ليعود إلى حالة التأمل اللاعقلي مُغمضا نصف عينيه ومُحركا ذيله في اتجاهات عشوائية. حالة السكون الرهيبة في هذه المنطقة في السكن الجامعي معقولة في ظل انخفاض الكثافة السكانية و ابتعاد تجمعات طلاب الأندية. خلف تلك الرتابة، وبينما تغرق المنطقة في أماكن محمد عبده، انطلقت تحت جنح الظلام شاحنات نقل تحمل المئات من ألواح “الشينكو” إلى جامعة البترول تُرافقها كسارات، وقلابات، وخلاطات والعديد من باصات العمال.
الطلاب العالقون في سنوات الضياع على موعد غدًا مع رسالة إلكترونية تحمل تعليمات وجدولا زمنيا للنزوح القسري إلى “لاينات” أخرى تمهيدا لبناء ما يُعرف بمشروع ”العمائر الجديدة”. استمرت حملات التهجير مدة عامين أو أكثر فلا يكاد يستقر الزميلان في لاينٍ جديد حتى تُعلن إدارة الاسكان عن مرحلة جديدة للهدم. مُـرهِـقٌ أن تُمضِي عامين من القلق والنوم على مسافة مجهولة من أصوات الكسارات وهي تقترب شيئا فشيئا مُـنذِرةً بنزوحٍ جديد. استمر ذلك الشعور إلى أن حدث الارتقاء الإجباري إلى “العمائر القديمة” دون شروط -خلافا لما حدث في السابق حيث أن دخول قائمة الانتظار للارتقاء يتطلب الحصول على معدل 2.5-. توقفت السيارة الصغيرة البيضاء لتحميل العفش: أكوامٌ من الكتب وملخصات الميموني و”الأولد إكزامز” وعدة أكياس غسيل شفافة وصندوق ممتلئٌ بأنواع مختلفة من الساعات المنبهة. انطلقت المركبة من اللاين الأخير استعدادا للانتقال إلى الوجهة الجديدة الفاخرة (806). المرحلة الجديدة تبدو فيها الحياة أقل بؤسا وأكثر إنسانية كما اعتقدا في أول الأمر. تقرر حينها في مكانٍ ما أن تُدفن كل قصص وأوجاع و”صكَّـات” 633 تحت ما يٌــعرف الآن بـ“مواقف 71”.
مَا النَّاسُ فَوق الأَرضِ أَو مِن تَحتِهَا
إِلّا انتِظَارَاتٌ لَبِسنَ قُيُودَا
واللهُ لو آتى النفوسَ سعادةً
أبديّةً، لا تَترُكُ التنهيدا
حذيفة العرجي