أوراق بترولية مفقودة
3- الميثاق
2007-2008
الحدث الكبير هذا اليوم كان إعلان ميثاق التغيير. طاقة الزميلين “المواصلين” تبلغ ذروتها بعد طلوع الشمس، فقد استخرج ص حقيبة كتب سوداء من الخزانة الزرقاء -كانت ضمن تجهيزات افتراضية للسنة التحضيرية- استعدادا للالتزام بالميثاق الجديد: “أعودُ اليوم دافورا كما كنت قبل الجامعة، سأذهب مُبكرا ولن أتأخر عن الكلاس، سأعود للبس الشماغ والعقال، ليس هناك فرقٌ بيني وبين أي طالب يحصل على الـ+A، سأعاهد نفسي على الالتزام والجدية ونبذ النوم والاهمال. أشعر أن اليوم مناسب كي أكون طالبا أفضل”. يتفهَّـمُ زميلهُ م هذه الرغبة جيدا للخروج من قاع الأسابيع الماضية فهي بداية للفترة الزمنية التي تسبق الامتحانات النهائية.
تمتلئ عادةً في هذه الأيام معظم الفصول الأكاديمية في الفترة المسائية حيث يتسابق الطلاب لحجز الفصول والمعامل والاعتكاف بها طوال الليل لإنجاز المشاريع الفصلية وكتابة تقاريرها وبخاصة مشاريع التخرج. الطالب البليد عادةً يحاول ممارسة نفس “الهَبَّة” لإنقاذ الكويز الأخير، أما بالنسبة لمشاريعه الفصلية فأحيانا ما تكون الاستعانة بالجالية الهندية في عمائر المنفى وسيلة مبررة وبخاصة عند الزيادة المفرطة في تسجيل مواد الفصل.
أما بالنسبة للزميلين ص و م فجروح ميجر 2 لم تبرأ بعدُ، وقطع المدفعية تنتشر الآن على جبهات معركة الكرامة المؤلفة من تشكيلة دفاعية كاملة: الكويزات-الحضور-الهومووركات. مارد الفاينلزم يستعد للخروج من السرداب وغرف المذاكرة في المكتبة لم تعد متاحة بسهولة أما غرف المذاكرة في عمائر أكواب أو الثلاثية المقدسة (13-14-15) فهي خيارات غير جذابة، مساحاتٌ جرادء مفروشة بنوعٍ سريع الاتساخ من الفرش الأصفر، ومكان نومٍ للكثير من العمال أثناء النهار عدا أن بعضها يكون مجاورا لغرفٍ سكنية مزعجة. من الجدير بالانتباه منظر طاولات المذاكرة اليتيمة المبطنة بوسادات مخففة لألم الجلوس ومحاطة بأوراق متناثرة وآلة حاسبة.
“ميثاق التغيير” هو نوع من الالتزامات الارتجالية التي يَعتقد م أنها تنتج عند حدوث ما يُسمِّيهِ “التقاطع الذهبي”. يكمن سر هذا التقاطع في حدوث ترتيب تعاقبي لعمليات طهارة جسدية تبدأ بالذهاب إلى دورة المياه ثم الاستحمام ثم استخدام دهان المسك، فبإمكان العصف الذهني بعد عملية كاملة للتخلص من السموم ثم الدخول تحت الماء الساخن أن يؤدي إلى جلسات مراجعة سريعة تؤدي لارتجال قرارات غريبة أو ثورية.
لطالما كانت أفكار التغيير الكبرى بالنسبة له مرتبطةً بشكل غير مفهوم بالاستحمام، فليست هذه أول مرة يحدُث فيها فجأة مثل قرار عقد الميثاق ذاك فعادةً تدور الحوارات المهمة بين الزميلين كمناقشة الانتقال إلى لاينٍ آخر أو تغيير التخصص أو حذف الترم أثناء ارتداء أحدهما فوطة الاستحمام. تبرز خلال هذه المرحلة العمرية محاولات إثبات الذات عبر اتخاذ قرارات متطرفة دون مبررات منطقية فلم يكونا ناضجين بعد للوصول إلى مستوى متقدم من حكمة القرار، فقد حدث أن قرر أحدهما الاتجاه لنادي المسرح لممارسة أي نوع يتبنونه من الفنون، أما زميله الآخر فقد عزم بعد ظهور نتيجة رسوبه في ENGL 002 على سحب ملفه والانضمام إلى الحرس الوطني!
قبل ساعاتٍ من عقد الميثاق وأثناء لعبِ مباراةٍ سريعة في الدوري الياباني، قرر ص المهزوم فجأة أن يهرب من الخسارة بإطفاء جهاز البليستيشن.
انعقد الميثاق بعد صلاة الفجر دون مصافحة ودون اعتلاء منصّـة. مع اقتراب السادسة صباحا، سادت حالة من النظافة واللمعان أرجاء الغرفة، ,بعد رش الكثير من العطر بحركة دائرية مُــلفتة غادر ص في حُـلَّــتِه الجديدة مبكرا تجاه الجبل حاملا في حقيبته ولأول مرة كتابين سميكين -الفزكس والماث- وبعض دفاتر التلخيص وآلة حاسبة وأقلاما ملونة. يخطط ص لتناول الإفطار في السناك بار ومراجعة الدرس السابق أثناء التقاط سيجارة التهيئة السريعة Quick setup في مكانه المفضل وهو المنطقة المحاذية للحاجز الاسمنتي من الجهة الخلفية لمبنى 6 المطلة بشكلٍ مختلف على مدينة الظهران، أما م فقد اتجه كعادته لتناول إفطاره في مطعم النخيل: 1 كبدة 1 دجاج، ولكن هذه المرة ولسببٍ ما دون الشاي العدني.
بعد إتمام م تسجيل الطلب نزل متعجلا إلى بقالة العريقي لالتقاط نسخة اليوم من صحيفة الوطن ثم عاد لاستلام طلبه والجلوس لتناول الإفطار. تلفاز البلازما الكبير يقف في زاوية المطعم وقناة العربية تهمس كالمعتاد. العديد من العمال منشغلون بمشاهدة ومشاركة الكثير من مقاطع البلوتوث. الصحيفة المطوية بعناية لا تزال محاذية للصحن الحديدي المُغطى بالورق الشفاف الذي وصل للتو حاملا المؤونة المطلوبة. ما إن بدأ في تمزيق ورق الغلاف حتى انطلق في رحلة شرود قصيرة كان قد اعتاد حدوثها في كل مرة يتواجد فيها هذا المكان المظلم. الجدران مغلفةٌ بصور ضخمة لغاباتٍ قاتمة اللون اعتقد أحدهم أنها مرتبطةٌ بشكل ما بِاسم المطعم، أما طاولات الطعام فكانت مغطاةً بقطع بلاستيكية شفافة منكمشة. المكان دائما خالٍ تقريبا من الزبائن كونه خارج أسوار الجامعة عدا عن ارتفاع أسعاره.
“ لماذا أشعرُ بالهرم؟ بتلك الرغبة المُلحة لبدء الأوريا من جديد؟ الشاي العدني الغائب اليوم كان رفيقَ الدرب الذي أعتقد لسببٍ غير منطقي أنه طويل، هو حاويةٌ ورقيةٌ ينتهي بها الحال بعد دقائق معدودة في حاويةٍ خلفية بعد عمليات معقدة من التصنيع. حسنا، بعيدا عن هذا الهذيان، أتأمل الآن العلاقة المتشابكة مع حرف الدال أي ذلك الشكل الذي يُذكِّرُني بالشكل المتناسق لامتلاء بطني وضعف ظهري.. D .. نعاسٌ متكررٌ خلال الشرح وعدم قدرةٍ على التركيز وتشكيكٌ مستمر في الفلاحة ومعايير القبول في هذه الجامعة. حاولتُ أن أبدو مثل بقية الطلاب الدوافير المترددين على هذا المطعم الذين يغرف لهم صديقنا اليمني من نفس صحون الكبدة والدجاج فتنطلق بهم هذه الوجبات إلى سلسلة متواصلة من النجاحات. هل سأضطر فعلا إلى الإيمان بأباريقَ وعصيٍّ وقبعاتٍ سحرية؟، قرأت الصحيفة كل يوم والتزمت بأداء خُـلـُـقيٍّ ممتاز وواظبت مثلهم على الكبدة والعدني. نهضتُ كل يوم.. تقريبا، طبعتُ الكثير من الملخصات واشتريت معظم نوتات الميموني المعروضة في مكتبة التونسي، أعددتُ ملخصاتٍ خاصة بي للمراجعة قبل كل امتحانٍ نهائي دون أن يقابل ذلك نتيجة مقبولة.. استمعت إلى بيتهوفن خلال مذاكرتي واستخدمت نفس طاولات المذاكرة التي تعاقبت عليها أجيال من الأذكياء والقادة، استحممت خلف نفس الستار البلاستيكي القذر وطلبت من نفس سيخ شاورما سيد المحروقات ومن نفس الهاتف في زاوية اللاين وألقيت القمامة في مكانها الصحيح بجانب الباب، ذاكرتُ في نفس غرف المذاكرة واعتكفت في المكتبة واستهلكت كل رصيد الأوراق من حسابي المجاني في المعامل لطباعة كافة الأولد إكزامز ولم أصِـل إلى شيء، راجعت مركز التوجيه والإرشاد وأشار عليَّ المستشار المعروف باستخدام الجداول وتنظيم الوقت وقد كنتُ قبلها عَـلَّـقتُ التقويم الدراسي والجدول الأسبوعي والفورميولا شيت بجانب وسادتي وهيهات. هل سأنتهي إلى تسريحٍ بغير إحسان بعد كل هذا الإحسان؟
أشتري الأحلامَ في سُوقِ المُــنَى
وأبيعُ العُـمرَ في سُــوقِ الهُـمُـومِ
لا تقُــلْ لي في غدٍ مَوعِـدُنا
فالغدُ الموعُــودُ ناءٍ كالنجومِ”
غادرت السحابة السوداء فور تناول آخر لقمة لكن الميثاق لا يزال حاضرا فاليوم هو يوم التغيير، لقد عزم اليوم بعد توقفه عن شرب الشاي العدني على استكشاف ظاهرةٍ جديدة: دانكن -بإضافة الألف كما تُشير اللوحة الكبيرة خارج المحل وكما كان مُــتداولاً حتى اليوم-.
أصبح الكوب الفِلِّيني الملمس الأبيض اللون الموسوم بكلمات وردية مظهرا ملفتا لطلاب المبنى المُخمَــلي 24، بإمكانك ملاحظة صراعٍ طبقيٍّ خفي بين طلاب الإدارة والهندسة الذين يتشاركون فصول ذلك المبنى. الازدياد الملحوظ لحاملي كوب “دانكن” بين طلاب الإدارة من جهة يقابله حاملو كوب نسكافيه “السناك بار” من طلاب الهندسة. كونه طالب هندسة، اعتقد م في أول الأمر أن ثورة “الدانكن” مجرد طقوسٍ وهمية حيثُ يُخَيَّــل إلى الطالب تحسن مزاجه وتحَــوُّلُ يومه تلقائيا إلى حالة أفضل. في الواقع كان هذا الافتراض قاصرا إلى حدٍّ كبير وإن كان منطقيا مع بعض الحالات الفردية المستفزة. فيما يبدو أن الحالة النفسية السائدة للباحثين عن نقاط ارتكاز في المسيرة البترولية تدفع إلى ما هو أبعد من مجرد كوب قهوة صغير، هي محاولة بريئة إما للوصول إلى مستوى عالٍ من الانتباه خصوصا مع انتشار ظاهرة تقلب ساعات النوم أو للحصول على كوب قهوة جيِّدٍ ورخيص مقابل نفس الكوب من جوفريز المبالغ في أسعاره.
انتهى قائد الشاحنة من إفراغ صناديق مخبوزات اليوم المتعددة الألوان والنكهات. أثناء توزيع البضاعة في الأرفف المخصصة خلف الألواح الزجاجية الكبيرة، تقف سيارة م أمام باب المحل. خلف مقود السيارة بدأت نظرات الزميل المتفحصة تجوب المكان. نمطٌ لونيٌ ذو تدرجات بنية متداخلة بشكل غريب مع أصباغ وردية وصورٍ ضخمة لحبوب قهوة متناثرة وهذا تصورٌّ فنيٌّ جريء لا يرتبط بمحلات القهوة المعتادة. استمرت إشارات الفحص حتى الاتصال المباشر مع نظرات العامل الذي بدأ للتو توزيع الدونات في الأرفف المخصصة مُـترقبا أول الزبائن في هذا الصباح الجديد. نظرات العامل متأهبة بين مهمة توزيع بضاعة اليوم والالتفات إلى السيارة المتوقفة في الخارج. الملقط لا يهدأ، مُثقَلٌ بنكهاتٍ ومهامٍ متعددة طوال الصباح، لكنه توقف فجأة بسبب دخول زبونٍ غير مألوف.
إن لم تخنه ذاكرته فقد كانت آخر مرة تذوق فيها م قهوة سوداء كانت أثناء الاستعداد لـ“امتحانات الوزارة” أي الامتحانات النهائية في الصف الثالث ثانوي. اعتاد م أن يتناول حينها النسكافيه ممزوجا بملعقتين من السكر في كوب من السيراميك يحمل شعارا مُهترئًـا لـ”الشؤون الدينية بالقوات المسلحة”.
أجال م ناظره في المخبوزات الملونة المتزاحمة على الأرفف. يكسِر العامل جولته رافعا الملقط تجاه كيسٍ ورقيٍّ مُـشابهٍ لأكياس كانت تستخدم في تغليف البطاطس المقلية سابقا. كان من عادة م تأمل قائمة المشروبات في د كيف كل مرةٍ يدخل فيها إلى ذلك المكان، ورغم معرفته المسبقة بطلبه المفضل لكنه يفضل دوما أن يغرق في قراءة أصناف المشروبات الباردة المحلاة المكتوبة بالطباشير بخط جميل شارحة مجموعة من مكونات كل مشروب بطريقة تسويقية مُغرية. الموكا فارابي مشروبه الاحتفالي المُفضل يستنزف مبلغا ثقيلا من بقايا مكافأته لكنه مُقابلٌ مُجزٍ لإتمام امتحانات مصيرية لمواد صعبة الهضم خصوصا أزمتة الشهيرة مع أي شيءٍ يخص الـ convolution theorem of Laplace.
لم يحدد حتى الآن ماهية الطلب من قائمة دانكن الطويلة. م المتلهف لانطلاقة مثالية ليوم التغيير يترقب كوبا من القهوة السوداء لكن هي أمريكانو ام اسبريسو؟ اعتياد العامل على سماع كلمة “كوفي” دفعه بشكل تلقائي للتوجه إلى إبريق القهوة المفلترة الزجاجي الفاخر بمجرد أن شرح له م رغبته الغير واضحة: كوفي.
نصف ساعة حتى يرن برج الساعة. لقد مر زمن طويل على آخر مرة انتشى فيها م بوصوله إلى الكلاس دون تجفيف العرق ومشقة التقاط الأنفاس ومحاولة إقناع الدكتور ببعد المسافة بين المباني الأكاديمية كي يوافق على عدم تغييبه في كشف الحضور. انتشر عبقٌ مختلفٌ لقهوة لم يعتد رائحتها في سيارته المختنقة برائحة الغبار وأكياس الغسيل وعلاقات الملابس وأوراق الهومووركات القديمة الملقاة في المقعد الخلفي. م العائد تجاه بوابة الجامعة يستعد لدخول مهيب لـ “واثق الخطوة”، صاحب الظل الطويل، الطالب المستعين بالله. أثناء استنشاق هذا العبق الجديد للقهوة السوداء، تغمره سعادة الحصول السهل على موقف قريب من المكان المعتاد لتوقف الباص في المواقف المقابلة لمبنى 59. بعد توقفه، يرمق ذلك الطريق المائل الطويل الذي اعتاد أن يمشيه من هذا المكان وحتى مبنى 5 في كل مرة يفوته فيها الباص، ذلك الصعود المُرهق حتى أعلى الجبل الذي ينتهي بدخولٍ مُحرج بعد مرور 10 دقائق على الأقل من بداية الكلاس مُحاطا بنظرات الدكتور والطلاب كافة. أثناء انتظار الباص، استغرق في مقعده مُستمتعا بهبوبٍ خفيف لهواء التدفئة مُـنتشيا بـ”تمسيكته” الجديدة: Ella Fitzgerald - Summertime.
يستعد الآن لاستراق رشفة سريعة من خلال الغطاء البلاستيكي المثبت بإحكام. من المُفترض أن هناك طريقة مُعينة للحصول على الفتحة المثالية للشرب كما كان يشاهده في الأكواب الملقاة على طاولات سناك بار 24. هل من المفترض فتحُ كامل الغطاء ثم قصه يدويا بطريقة معينة؟ كيف يُــثبِّتون تلك القطعة المنحنية في منتصف الغطاء؟ قادهُ اجتهادُه إلى فك الغطاء ومحاولة تثبيت تلك القطعة بعيدا عن الكوب لإتقان تلك العملية ثم أقفل الغطاء بصعوبة. أعاد نظره إلى مدخل المواقف مرتقبا قدوم الباص ثم تحسس بأصابعه حرارة فتحة الشراب. مع أول محاولة لتذوق قهوة دانكن المرتقبة انسكب جزء من أول رشفة من خلال الغطاء المتضرر على ثوبه النظيف، ثوب يوم التغيير الخارج للتو من غطاء مغسلة التونسي.
من الغبن أن يكون حجر العثرة في أول الطريق. لم يكن التوقيت مناسبا أبدا خصوصا مع اقتراب الباص من منطقة الإركاب. منديل مبلل كان كفيلا بمعالجة هذه الأزمة البسيطة لكن أثرها لن يُمحى هذا اليوم فهذا الطالب المثالي الذي ينطلق راكبا إلى أعلى الجبل سيكون مُـلطخا طوال اليوم.
تجاوز م بصعوبة محنة ركوب الباص التي بدأت تنتابه في الشهور الأخيرة، فقد كان يتعمد الوصول متأخرا إلى الباص ليجلس في أقرب المقاعد إلى الباب كي يتجاوز بسرعة مشاعر الاختناق الوهمي (فوبيا الأماكن المغلقة) التي أصبحت تداهمه فجأة في كل مرة يكون فيها راكبا مع أي شخص، لكن ركوب الباص بالنسبة له أكثر صعوبة، فعند ركوبه في مؤخرة الباص تمتلئ كافة مقاعد الممر الفاصل بين المقاعد والذي يكون مجهزا عادةً بمقاعد قابلة للتحريك. يستخدم م عادة تكتيك التنفس العميق والتأمل في صخور الجبل لتجاوز تلك الدقائق الصعبة خصوصا عند وقوف سائق الباص أمام بوابة العبور إلى أعلى الجبل كي يمرر بطاقته أمام جهاز فتح البوابة فهو يقوم بذلك عادة ببرودٍ غريب.
م الممتلئُ تماما بالقهوة السوداء، وبعد أن بدأ الكافيين بمهام عمله، لم يكتفي اليوم بالاستغناء عن الاستخدام المعتاد لمصعد مبنى 5 بل قرر بكل شجاعة أن يصعد دَرَج البُرج الطويل ذي الارتفاع الحاد. ارتقى م الدرج بسرعةٍ أشبه إلى الركض منطلقا إلى حصة الماث 260 في مبنى 6 الذي شاءت الأقدار أن يلتقي فيها من جديد مع صديقه القديم ص.غ.. في يوم التغيير لاحظ م أن كافة المقاعد الأمامية ممتلئة ليعود إلى مقعده الكلاسيكي في آخر الصف. حضر ص.غ. متأخرا ليجلس بجانبه وابتدأ الدكتور شرحه المعتاد. في هذه الأثناء كان جسد م يدرس بعناية المكونات الكيميائية للمُـدخل الجديد إلى نظامه، اندفاع كل هذه السوائل السوداء الممتلئة بالكافيين إضافة إلى حركة ركض مفاجئة وقاسية أمرٌ لا يُمكن التعامل معه بسهولة في جلسة واحدة. أجهزة استشعار الخطر أطلقت عمليات التعرُّق في منطقتي الجبهة والظهر لكن م لا يلاحظ ذلك أثناء نسخه “النوت” ويعمل باجتهاد على تجاهل هذه “الأجواء الحارة” والتي لن تثنيه عن بداية ناجحة ليوم التغيير.
انتصف الكلاس وتحولت الأجواء الحارة إلى مخاض يندفع على شكل أمواجٍ متسارعة، ولا يمكن أن يكون هذا الأمر طبيعيا خاصة في مثل هذا اليوم. يُرسل م نظراتٍ غير مألوفة إلى ص.غ. بين دقيقة وأخرى في ما يبدو وكأنه مسحٌ ميداني لتفعيل خطة إخلاء. نظراتُ مُــثقلة بالتعرق والإجهاد ومع اقتراب الـ10 دقائق الأخيرة من نهاية الكلاس، بدأت حالته بالتدهور حيث توقف عن الكتابة ثم أعاد قلمه المتعدد الألوان إلى جيبه ليكتفي بمراقبة الشرح وملاحقة عقارب الساعة، يغمضُ عينيه ليتذكر ذلك القرار الجريء لممارسة رياضة الركض على ذلك الدرج اللعين بعد شرب كوبٍ كامل من القهوة السوداء لأول مرة بعد انقطاعٍ طويل. أرسل م إلى ص.غ. نظرة الوداع بوجهٍ شاحبٍ متعرق وطلب منه الاقتراب قليلا كي يهمس له: “بالله خلي النوت معك” ثم مشى مغادرا الكلاس دون أن يأخذ معه أي شيء.
تقع دورات المياه في مبنى 6 في أماكن بغيضة، فهي متواجدة فقط في أطراف الدور العلوي بمحاذاة المعامل. م المشوش تحت تأثير العاصفة اندفع بشكلٍ سريع إلى خارج المبنى محاولا استجماع شيءٍ من قوته للتركيز والبحث عن دورة مياه آمنة أي التي لا يُمكن أن يقف فيها مُنتظرا خروج أحد. توفرت هذه المواصفات مؤخرا في المبنى الفاخر الجديد 59. تجاوز م تلك الأشجار العملاقة في المنطقة المقابلة لمبنيي 6 و 7 مخترقاً تياراتها الهوائية الباردة ليتجه مباشرة إلى الدرج العملاق المؤدي إلى 59.
المبنى الجديد الذي افتُــتِح حديثا لا يزال ممتلئا بروائح الأصباغ والاسمنت. يجلس عادة طلاب هذا المبنى على أطراف متباعدة في ساحة المبنى الرئيسية منعزلين عن كل ما حولهم وخلافا لما هو مُـلاحظٌ في 24، فالطلاب هنا مُــنغمسون في مراجعة دروسهم بتركيزٍ عالي وفي نمط فرداني مُلفت فمن النادر أن تجد محادثات جماعية. تتداخل تيارات اللغة الانجليزية القادمة من الكلاسات الممتدة على طول الممر بلهجات مختلفة مع هذه الأجواء الجديدة الهادئة يتخللها أجراسٌ ناعمة لحركة توقفات المصاعد.
اقتحم أحدهم هذا الهدوء الرتيب في مشيةٍ غير منضبطة. لم يتخيل م أن تكون هذه أول مرة يضطر فيها إلى الدخول إلى هذا المبنى للبحث عن دورة مياه ومن الغريب أن لا تجد لوحات إرشادية في مكان جديد مثل هذا. انتهت المحنة ليخرج م في مشية مختلفة تماما عن مشيته الأولى متجها إلى الباب الخارجي بمعنويات جيدة جدا بعد أن أظلمت حياته فجأة قبل ساعة من الآن. هناك في الأسفل يقف م أمام درج 59 من جديد مترددا في الصعود. يفتح قفل جوال الفيصلية ليتصل ب ص.غ. لتحديد موقعه فلا يجيب. يتأمل م هذا المسار الطويل إلى الأعلى، ينظر إلى ساعة الجوال ويتأكد أن الكلاس التالي قد بدأ أي أنه بشكل رسمي غائب.
أثناء مراجعة كل تلك المشاعر المرتبكة، ابتداءا بميثاق التغيير وانتهاءا بهذا الإشراق الجديد أمام 59، قرر م مغادرة الجبل فورا. نزل م إلى مواقف السيارات واتجه مباشرة إلى غرفته وأغمض عينيه. كان حديث صباح ذلك اليوم ذي شجون، فالمواثيق البطولية ومعارك التحرير الموعودة انكسرت أمام كوب قهوة. يتأمل م على فراشه نظريته المملة عن الحظ التعيس فقد ثبت له أن ما حدث اليوم برهانٌ كوني لتلك النظرية التي يجد لها دائما ما يبررها.