أوراق بترولية مفقودة
1- المقذوف
2006
تسقط قذيفة مجهولة في عرض الطريق المجاور للعمارة السكنية 06 في سكن الطلاب قبل غروب شمس يوم شتويٍّ هادئ.
صُمِّمَ ذلك الطريق المسقوف بجسور المشاة الاسمنتية المتشابكة لغاية متناقضة فهو مُخصص للاستخدام البشري كما اعتقدنا في البداية لكن دون دلالات واضحة وذلك لما تشاهده من آثار العبور اليومي لإطارات مركبات الصيانة على أرصفته الكبيرة، ولما يظهر من خدوشٍ خفيفة على أعمدة تلك الجسور نتيجة مراوغة تلك المركبات بين ذلك الكم من الأعمدة. لا يحتمل ذلك الطريق مرور مركبات أصلا لضيق ممرات ذلك الجزء من السكن تحديدا. تتناثر الأبنية السكنية حول ذلك الطريق بشكل يدّعي مصممه أنه انتشار مُنظم، فهي ليست متقابلة أو مُصطفّة بل لكل منها اتجاه مختلف عن الأخرى. تحت غطاء ذلك الانتشار الغريب، تتبادى لك الأجزاء الأمامية لبعض سيارات الطلاب الصغيرة المنطوية خلف تلك الأبنية خوفا من مرور جيوب الأمن وإقفالها بذلك الترس البرتقالي المهترئ. بإمكانك أن تدرك من قرارات اقتحام المركبات تلك مدى إجهاد بعض الطلاب في الوصول إلى مقر سكنه بعد يوم حار طويل في قمة جبل الظهران. تتم عمليات التسلل عادةً من خلال الالتصاق بمؤخرة إحدى الباصات والعبور سريعا قبل إقفال البوابة الإلكترونية كما جرت العادة في مواقف المباني الأكاديمية. تزداد عمليات التسلل تلك بشكل واضح في فترة امتحانات "الميد تيرم" أو "الميجر". هناك في الأسفل قريبا من مطعم الجامعة، يمشي أحدهم حاملا فوق رأسه كيسا لامعا ثقيلا من الثياب المغلفة تتخطفها تيارات الرياح المتمركزة بين جدران الأبنية السكنية على ذلك الطريق العريض المائل أمام مطعم الجامعة. طاولات المذاكرة الأرضية محجوزة بالكامل في مسجد ابن باز وسيارة شواطئ الخليج بلونها البحري المميز المحملة بعشرات الطلبات تجوب المنطقة دون توقف.
التأمل في كل تلك الدلالات العشوائية يعطي أوصافا متفاوتة للحالة النفسية السائدة: معنى الوجود في الجامعة، فقدان شهية مواصلة الطريق، بؤس المرحلة، التعثر قبل خط النهاية، ضياع الخارطة، اكتشاف القرارات الخاطئة، ما هي “الحقيقة الغائبة”؟
هناك في الأعلى وفوق موقع المقذوف الملقى على ذلك الطريق بجانب إحدى نوافذ الغرف السفلية للعمارة 6، يرتفع صوت نقاش حداثي من الطابق الثاني عن الفلسفة الوجودية لحاوية القمامة وفضيلة إماطة الأذى وتقييم سلامة المارة بين الزميلين المتقابلين على الضفتين في الغرفة العلوية. بالنظر إلى طريقة تنسيق ديكور الغرفة المبسطة ستجد أن هناك سريرين متوازيين تفصل بينهما قناة كبيرة تستدرج دائما كل ضيفين إما إلى "صكّة" بلوت فاخرة أو إلى دجاجتين على مذهب الشواية. من النادر جدا أن تحتضن تلك المساحة المغطاة بالموكيت الأصفر الهادئ جلسة مناصحة أو مشروع مذاكرة فعّال. بقايا أوراق البلوت المنتشرة على الأرض وسجل التسجيل ذو الأعمدة الطويلة مؤشرات خطيرة على أحداث ليلة الأمس.
تلفظ إحدى نوافذ الغرفة العلوية خلال ذلك الجو الغائم انبعاثات دخانٍ أبيض. لم تكن هذه الانبعاثات طقوس اختيار كنيسة سيستينا للبابا القادم، فلقد أعلن المالبورو الأبيض نجاح إتمام غداء الشواية الاعتيادي بعد يومٍ طويل في المعمل. اقتضت العادة أن يقوم الزميلان بهيئتهما البيضاء ذات السروالين والفنيلتين بلملمة بقايا العملية في الحاوية إيذانا ببدء طقوس التخمير. تقف علبة البيبسي بلونها الأزرق الكامل المحمّلة بربع كميتها على المكتب الخشبي تحت إحدى براويز النافذة المفتوحة إلى الداخل. بعد إشعال السيجارة الأولى وأثناء محاولة النظر إلى خارج النافذة من خلال ديكورات الحماية الخارجية الشبة مغلقة، وبعد مرور وقت قصير من بداية تكون الرمد على سطح علبة البيبسي وفوق واجبات مطوية معلمّة بالخط الأحمر، وبينما تحمل الإصبعان المثقلتان بالسيجارة المقدسة الأولى شيئا من أثر البهار ورائحة صابون الكازانوفا الرخيص المتوفر بكثرة في محطة التونسي، ينطلق الزميل في رحلة كونية أخرى.
لا إنتي وردة .. ولا قلبي مزهرية من خزف
الكيس الأبيض الممتلئ بالأرز الأحمر وشيء من العظام الغارقة في السلطة الحارة المنسكبة ما زال ساكنا وسط الغرفة في حالة ترقب لانتهاء عبادي الجوهر من وصلة “الريل بلاير” المعتادة التي جرت العادة على ممارستها بعد كل وجبة ثقيلة.
بعد انتهاء السيجارة الأولى وبعد أن أغرقها في قعر العلبة، قرر على غير عادته التقاط الكيس وإلقاءه مباشرة من النافذة.
ساد اعتقادٌ سريع أن هناك محاولةً متذاكية لإسقاط الكيس في حاويةٍ ما موضوعة بالأسفل لكنه تلاشى مباشرة. أثناء السقوط وقبل اكتمال الوصلة الغنائية، ترتطم الحمولة الغارقة ببرواز النافذة الخارجي للغرفة السفلى لتسقط على جانبها لافظة ما بداخلها على ذلك الطريق دون أن تثير صوت دهشة أو غضبًا في الخارج. أصوات العصافير العائدة إلى أعشاشها عند غروب الشمس لم تنقطع. يلتقط الزميل سيجارة أخرى ويقرر أن تكون علبة البيبسي على مسافة أقرب إليه من المرة الأولى لسببٍ غير معروف. تتبادل الضفتان نظرات متباينة، فبينما يرمق أثناء فتحه علبة السجائر بنظرات تحدٍّ صارخ زميله الذي توقف عن التصفح المعتاد لملفات "الشير" لاستيعاب ما حدث، ومن فوق عدسات نظارته المنزلقة دائما إلى منتصف أنفه، تواجهه على الضفة الأخرى نظرات ازدراء واستهجان بعد اعتدال مفاجئ في وضعية المواجهة. انطلق نقاشٌ سريع يتناول بضعة محاور منطقية عن أساس الفكرة وجدواها وأضرارها، وعن الحكمة الجامعية في وضع الحاويات الصغيرة في ممرات العمارة خارج الغرفة، وعن المأساة التي تنتظر عامل النظافة في الخارج يوم غد.
أثناء نفث دخان السيجارة الثانية، وبينما يجلس متربعا هذه المرة بدلا من أن ينصب إحدى ساقيه كما يُحب عادةً، تقف الذراع اليسرى حاملة الكف والسيجارة إلى الأعلى بينما تقومُ الذراع اليمنى بتثبيت ركبته اليمنى. هذا الشكل المعروف لدى الزميل الآخر هو مجرد استعراض عسكريٍّ متكرر لكنه موجه نحو عدوٍّ مجهول (أو دكتورٍ معروف). تنتهي عادة تلك النقاشات سريعا دون نتائج ملموسة، فلا تجدي الديباجات ولا المقدمات الأرسطوية لدفع الزميل خلف خطوط الاشتباك. يَبقى ذلك المقذوف في الخارج دون أن يخرج أحدهما لاستدراك الموقف وإنقاذ الطريق في ظل أجواء متوترة يحُفّها صمت طويل ودخان كثيف.
منفذ سلك الCAT6 الأزرق يومض كما هو معتاد. عاد الزميل الآخر لمتابعة حالة نسخ مواسم مسلسلاته المفضلة من الشير بقلق شديد بينما يكمل الزميل مشوار التأمل الكوني والمستقبل الأكاديمي من نفس النافذة. انتهت الوصلة الأولى من قائمة تشغيل "الريل بلير" لتبدأ الوصلة الثانية: "إلى من يهمها أمري".