العيش بمنظور الآخرين
إلغاء الذات كمفهوم كما تعلمون هو مصطلح بالغ التعقيد و يأخذ منحيات عدة حول تأويلاته و لكن المقصد هنا ليس بالانسلاخ عن الهوية أو التنكر للمحيط بقدر ماهو حمل ثقيل يحمله الشاعر به و يثقل حركته تجاه الإنجازات التي من المفترض القيام بها . الروتين اليومي هو وقعٌ بائسٌ بالضرورة . الاستيقاظ من النوم كل يوم و السعي تجاه باقي اليوم سعياً أو لهثاً سمها ما شئت بإختلاف مسمياتها إن كانت مهام يومية أو أعمال منجزة أو اجتماعات دورية أو تحقيق هدف مسبق التحديد مقيداً بذلك الناس للعيش كسباق من أول اليوم إلى نهايته كالدوران في دائرة مفرغة بالنوم و الاستيقاظ و الأعمال ثم النوم و الاستيقاظ و الأعمال ذاتها و من ثم … الخ في حلقة لانهائية من الدوران دون التخلف ولو ليوم عن ذلك السلوك الذي يكرر دون أي تساؤل و لو لمرة واحدة !
لماذا أفعل كذا أو لماذا لا أتوقف ولو لمره عن فعل كذا ؟
أو ماذا لو ..؟
هذا الأمر الروتيني البحت يرعبني كثيراً أفكر كثيراً عن ما إذا كان في الأمر مدعاةً للخوف في حقيقة الأمر . العيش بأحداث مكررة تحدث كل يوم و كأنها حلقة غير منتهية آخذة بالدوران بدون أي كلل يُذكر !! الأحداث ، الوقت ،الأشخاص ، المشاعر اللعينة ذاتها ! اشعر الآن بالغثيان مع حرقة شديدة في الداخل لمجرد كتابة هذة الفكرة و الإفصاح عنها
كانت لي محاولة حول التهرب من ثقل الأيام رغم تكرارها بمشاهدة عمل سينمائي بدون بحث مسبق و بشرط خلوه من الأكشن لأن الحياة لا تحتمل مبالغة كاذبة حول وجود من يُخَلَّصها من بؤسها و تصوير البطل على أنه مُخَلَّص أمر يصيبني بالغثيان عن أي بطل و أي مخلَّص تتحدثون و أنا غارقة بما أنا غارقة به بدون أي بوادر ولو واهمة عن فكرة الخلاص هذه و الأفكار البطولية التي تشوه فكرنا كبشر نعيش غارقون و نتكيف بالغوص تجاة منغصاتنا بهدوء أحياناً و بصخب بالغ أحياناً آخرى كالتساؤل عن الأيام و تكراراتها الغير متوقفة .
إن فكرة البطولة و المُخَلَّص فكرةً تجعلني أغضب كثيراً و أثور حول التراهات التي يصدقها البعض بفكرة الخلاص أو بأكاذيب آخرى .
ألا يحتمل المرء أن يتعامل مع ما يظنه متورطاً به بكل شفافية و صدق !
الأمر يحتاج إلى الصدق و الكثير من الشجاعة لمواجهة الحقيقة أو ما أظنه حقيقةً في ظاهر الأمر
لم أكن أتعمد المواجهة لما أشعر به بل كانت الفكرة محفوفة بحذق حول الهروب بطريقة سلسة تعكس التكيف العالي الذي يصل إليه الإنسان رغم كل شي و بطريقة عفوية كمتابعة عمل سينمائي واقعي و لو يحمل في طياته سذاجةً غير معهودة قد يتحقق بذلك ما آصبو إليه فكان الإختيار عشوائياً و بدون أي توجيه محدد . غير أن تقديري الكبير للمثل Colin Farrell و غرائبيته بإختيار الأدوار هي ما دعاني إلى اختيار هذا العمل السينمائي دون تردد .
مشاهدة فيلم the lobster في الليلة التي تقام فيها أقوى مبارة كرة قدم على المستوى المحلي و العالمي ليس من أفضل الأشياء على الإطلاق و لكن لم تكن كرة القدم من أوائل الانشغالات التي أهتم بها رغم أن الحماس يأخذ مجراه في بعض الأحيان و لكن ما حدث الليلة و وبالطريقة ذاتها دون تخطيط يجعل الأفكار تمتلئ بالأقدار و ما تحمله من رسائل تربت على الصدور و تطمئن بالكثير من الأحيان حتى و إن كانت في صورة عمل سينمائي مصور ! ما يجعل المُشاهد لها يشعر أنه في حيرة من آمره لا تخلو هذه المشاهدة من عنصر المفاجئة الذي يحول بينك و بين الآحداث الساخرة ما يكفي للضحك كثيراً على ما اِعتاده الإنسان من قوانين حددت له مساره و قلصت له الخيارات في دروب حياته المختلفة
العمل يقوم على منحنى غرائبي بحت ساخر و ناقد على كل القوانين التي يعيشها الإنسان و يخضع لها و لصرامة العيش و الإستمرار على تكرار هذا العيش الأمر الذي آثار حفيظتي أكثر من الهروب عن مواجهة هذة الحياة و ما تمليه علينا أن نفعله أو نكونه بالدرجة الأولى . المضحك بالأمر أن العمل يأخذك بغرائبيته إلى مستوى ساخر مضحك بطريقة غير كوميدية بل بطريقة درامية بحته ما يجعله فكاهياً أكثر من اللازم و كأنه يحملك الضحك على نفسك لا على ما تشاهده ، ثم يآخذك على حين غره إلى مدى يصعب عليك تخطيه من سخرية القدر كيف كان مخططاً أن أهرب و في ذات الوقت كان مقدراً لي أن أغوص عميقاً و أشاهد بأم عيني ما تحدثه الحياة بالإنسان الصامت الخانع لقوانين الحياة التي تديره كيف ما شاءت .
هذا ما حملني على الكتابة للحديث عن ما يثقلني حالياً و عن ما يجول في داخلي من غضب صامت و تمرد مسالم لا يحدث خللاً في روتين اليوم المتكرر غير صمت أكثر من العادة و شعور بالغ الكدر في ماتبقى من باقي اليوم .
أنت هنا وحيد، أمامك 45 يوماً ليكون لك شريكاً، إن لم تفعل هذا سيتعين علينا القيام بإجراء معتاد، أنت تعلم ما هو بالطبع
فيلم the lobster عمل غرائبي بطريقته “شاطح” بموضوعه فهو يتناول قوانين صارمة تحرم و تنبذ الفرد و تمجد و تقدس و تمنح الحياة للثنائية في العلاقات تلغي منظور الفرد و تمجد الثنائية بطريقة صارمة شديدة الحزم و على من يتخلف عن العيش بهذا المنظور الخاص بالآخرين فإنه ينبذ و يعاقب بتحويله إلى حيوان في نهاية المطاف .
كان تجسيد الإنسان البائس هي سمة البطل الأولى الذي حرص كولين فاريل بتجسيدها بأداء استثنائي كعادته بعيداً عن الابتذال و التكرار و كفيلاً لنقل كل البؤس و الحيرة و التعاسة التي عاشها في شخصيته بين عالمه الأول و عالمه الثاني الذي كان صعباً عليه التأقلم في كليهما ضمن قيودهما الصارمة المتطرفة البعيدة كل البعد عن الحس الإنساني و احترام خيار الإنسان للمنظور الذي يريد العيش فيه .