تحدي الشهر الأول

في مدرسة نيوزيلندية


لم يكن الوصول لمدينة أوكلاند في نيوزيلندا في أقصى الكرة الأرضية أمرًا باليسير، خصوصًا عندما يرافقك أطفالك الذين لم يتعد سن أكبرهم عمر الثمان سنوات.

كانت الرحلة مخططًا لها وفق البرنامج المعد من وزارة التعليم بالمملكة العربية السعودية وبالتعاون مع جامعة أوكلاند، حيث الوصول قبل تاريخ 25 يناير وهو التاريخ الفعلي لبدء البرنامج، لذلك تم قطع دراسة الأبناء من منتصف العام الدراسي في مدارسهم الأم في السعودية.


برنامج “خبرات” للتطوير المهني النوعي للمعلمين، حيث يبتعث سنويا عدد من المعلمين والمعلمات من كافة التخصصات والمجالات لمعايشة المدارس والأنظمة التعليمية في أفضل الدول بالتعاون مع الجامعات العالمية المميزة


جاء شهر فبراير وهو الشهر الذي تستعد فيه المدارس النيوزلندية لاستقبال الطلاب للعام الدراسي الجديد، وهو ما دفعني أيضا للبحث عن أفضل المدارس وأقربها لمقر السكن. كانت معايير الاختيار تقتضي إيجاد مدرسة ابتدائية بها طلاب عرب ليكّون معهم أبنائي علاقة اجتماعية وتواصلية باللغة، بالإضافة إلى جودة في التعليم.

بعد عملية بحث عميقة وقع الاختيار على مدرسة Freemans Bay Primary School التي تقرب من السكن بمسافة خمس عشرة دقيقة مشيًا على الأقدام، قررت بعدها زيارة المدرسة للتعرف عليها عن قرب ومقابلة مديرة المدرسة والطاقم الإداري والتعليمي. 


هذا من ناحيتي كولي أمر .. أما من ناحية أبنائي الطلاب فالوضع أشبه بالاستعداد للدخول في مغامرة شديدة المخاطر، فلغتهم الإنجليزية ليست لغتهم الأم والتي لا يفهموا منها سوى بعض الأحرف التي تعلموها من قنوات الأطفال، كما أنهم شديدو الحساسية من اللعب مع الأغراب. لذا كان التحدي صعب على الجميع.

أوضحت كل هذه المخاوف -وأكثر- لمديرة المدرسة والتي تفهمتها وأوضحت أنها ليست الحالة الوحيدة والأولى التي تمر عليها في مدرستها، ففي المدرسة أكثر من ٤٠ جنسية ولغة وعرق وديانة.



أخذت بعض المستندات اللازم توقيعها للبدء في إجراءات ضم الأبناء إلى مقاعد الدراسة، وكررت مخاوفي على مديرة المدرسة بأن أبنائي سيواجهون صعوبة شديدة في التواصل مع المعلمين وزملائهم الطلاب إن لم يكن هناك مساعد ترجمة أو أي شخص عربي يرافقهم داخل المدرسة، ولكن المديرة أطلقت التحدي معي وذلك بملاحظة تطور مستواهم في اللغة خلال شهر واحد فقط.

في الحقيقة قبلت التحدي وكلي يقين بتطور مستواهم الدراسي، ولكن ليس في شهر. فالمدرسة تختلف كثيرًا عن مدارسهم التي بدأوا منها، فضلا على أنه لا يوجد كتب دراسية ترافقهم للمنزل لأجل الاستذكار أو المراجعة.



خلال شهر التحدي رافقت أبنائي أسيل ومحمد إلى عدد من المتاجر والأماكن العامة التي يكثر بها الناس والأطفال خاصة لأجد لنفسي مكانًا أستطيع أن أتحقق من مدى جدية كلام المديرة وأحكم على مدرستها وربما التعليم النيوزيلندي برمته.

الحديقة كانت من أفضل الأماكن التي يختلط فيها الأطفال مع بعضهم البعض، ويتواصلون لغويًا وحركيًا، لم أجد صعوبة في استراق السمع من حوارات الأطفال مع أبنائي، كانت الوهلة الأولى التي أسمع فيها أسيل وهي تتكلم باللغة الإنجليزية دونما شعور بالخوف أو الخجل، ومحمد يحاول جاهدا التعبير عن مدى إعجابه بلعبة النطيطة لصديقه الآخر" It's beautiful "  بصوت محمد.

أسيل مع طبيب الأسنان تتحدث عن إفطارها هذا الصباح


في الحقيقة نجحت المديرة في تحديها، وصدقت في تبريرها الذي ذكرته لي، حيث شاهدت فعلا ما يعتمد عليه أسلوب التدريس داخل الفصل الدراسي، فالطلاب يتعلمون من خلال اللعب والمرح، وتكوين بيئة اجتماعية تعاونية، تعزز العلاقات والصداقات فيما بينهم. فلا مجال للفردية داخل الفصل وخلال عملية التعلم، فليس هناك طاولات لطالب واحد، بل هناك طاولة مشتركة لطالبين وأكثر، وليس هناك رف لطالب واحد، بل رف لطالبين وأكثر، وهكذا .. كل شيء في الفصل يسير بالتعاون والمشاركة. بهذه الطرق والأساليب أصبح للتعليم مذاق مختلف يستطيع أن يجذب الطالب وينمي لديه حب التعلم الذاتي، ويسرع من عملية تعلمه.

من خلال هذا الشهر توصلت لقناعة؛ أن التعلم النشط ليس مجرد أوراق أو ممارسات وقتية، أو استراتيجيات جوفاء لا تفهم احتياجات الطالب. بل إن التعليم النشط يرتكز أولا على نشر الحب والتعاون داخل الفصل، وتفهم حاجات الطالب وتحقيقها، وتنمية شعور الثقة والاستقلالية لديه، ومن ثم الانطلاق نحو التنفيذ بطريقة تجعل الطالب يتلهف للحضور اليوم التالي. 

Join