كل ما تحتاج هو ال…
حكى لي جدي قصة صعيدي يعمل في الريف، هذا الصعيدي إعتاد أكل الفول في وجبة الفطور والغداء والعشاء إذا توفر. في يوم من الأيام قرر أن يكافئ نفسه بأن يذهب إلى المدينة ليأكل وجبة فاخره في أحد المطاعم التركية، تصفح قائمة الطعام وإذا هي باللغة التركية ولا يفهم منها شيء، لذلك قرر أن يختار الإسم الأغرب، نادى على النادل وقال:
-أعطيني إثنينن برجميك
إنتظر طلبه بفارغ الصبر، وإذا بالنادل يأتي ومعه طبقي برجميك وتعني هذه الكلمة فول ولكن بالتركية.
-قال الصعيدي: يا إبن الكلب لحقتني لهنه!
قد تتسائل ما سبب روايتي لقصة الصعيدي التي قد تكون مضحة بالنسبة لك، أو قد تكون”سامجة” في كلا الحالتين توجد حكمة من روايتها لك، الحكمة منها هي شيء حاولت فهمه منذ زمن بعيد مع أنه في نظر الكثير هو بديهي. وهو الإسم.
قال تعالى(وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) (٣١) (قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) (٣٢) (قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ ۖ فَلَمَّا أَنبَأَهُم بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ) (٣٣)(وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ) (٣٤)
ما علاقة الأسماء بالخلافة؟
الأسماء، ياترى ما سرها العجيب؟
هكذا سألت عندما قرأت هذه الآيات فقلت لابد وفيها قوة هائلة فسبحانه ذكرها بعد الخلافة فالواضح أنها اعطيت لنا لتساعدنا على هذه المهمة الصعبة والعظيمة الذي أبت السماوات والأرض والمخلوقات حملها وهي خلافة الأرض، فقد عُلِمنا الأسماء دون الملائكة وسجدت الملائكة بأمر ربها، سجدت لنا تكريما وتعظيما لعظمة هذا المخلوق وعظمة مهمته، والله أعلم..
الفول إسم، البرجميك إسم، الملخية إسم، الحمص، الكشري… قائمة لا نهائية من الأسماء.
إنت ليك إسم، لكن يوجد شخص بنفس إسمك، صحيح؟
هل يعني أنكم انتم الإثنين لكم نفس الصفات؟ إذا ما الفرق؟
الإسم هو آداة نستخدمها لتسهل علينا التعامل مع الأشياء بوضع إيطار لها، فتخيل معي أننا نتعامل مع الأشياء كشيء واسع لا يمكن الإشارة إليه ولا التواصل به، مثل الأطفال عندما لا يجدون تفسيرا لظلهم، لكن عندما نشير لهم بإسم هذا الشيء الأسود المخيف الذي يلاحقهم أين ما ذهبو بأن اسمه ظل وهو ناتج عن الضوء بذلك يذهب خوفهم، أو عندما لا نستطيع تخيل المستقبل، أو رؤية الأشياء، ماذا يحصل؟ نخاف، نضيع.
الإسم هو الشيء الذي به نتمكن من عمارة الأرض فهو مثل المركبات التي بها نستطيع بناء الاشياء، فالصوت إسم، والصورة إسم واللغة إسم، فكلها تضع إطار لخيالك حتى تستطيع بذلك الإدراك والتواصل من عالمك الداخلي إلى الخارج والعكس صحيح، وإلا حصل معك مثل ما يحصل للطفل عندما تحصل حالة البكاء ما قبل النوم “أخلاق النوم” لانه وقتها لا يستطيع التعبير عن أنه نعسان فلا يعرف العلة وبذلك لا يعرف دواءها.
بداية علاج المرض تبدأ بإسم وهو تسمية العلة التي في المريض، بعدها يمكن التعامل والتفاعل مع هذا المرض، بداية بناء الشيء إسم سواء كان هاتف، عمارة، جسر، مدينة، بداية تحقيق الهدف إسم. ليس فقط ذلك بإمكاننا الذهاب أبعد من ذلك في الخوض في قوة الإسم تحديدا اللغة ،في السفسطائية، وهي إحدى المدارس الفلسفية التي ظهرت في بداية مرحلة فلسفة ما قبل سقراط في اليونان، ويعود أصل المصطلح Sophism إلى اللغة اليونانية مُشتقًا من كلمة Sophos أو Sophia والتي تعني الحكمة أو الحكيم. وكان فن يعلم مثل فن الجدال أو “Negoutianion” الآن وهو أن تحصل على ما تريد عن طريق الجدال والتفاوض. كان هناك طالب يتعلم السفسطة على يد أحد المعلمين الكبار مقابل أجرة تعليمه.
-قال الطالب للمعلم أنا استطيع أن أن أثبت لك أنه لايوجد لك عندي قرش واحد.
-قال المعلم وكيف ذلك؟!
-قال إن أستطعت أن اثبت لك أنه لا يوجد لك قرش واحد عندي فبذلك ليس لك قرش واحد وإذا لم استطع إثبات ذلك فيتضح لي أنك معلم غير كفئ.
بذلك ففي كلا الحالتين أنت لست لك قرش واحد لدي.
وليس فقط في زمن ما قبل سقراط إنه يستخدم الآن ولكن بشكل آخر وهو المحاماة وهنا لا أقصد أبدا أن اسيء لأي وظيفة و لا علم بل كل ما احاول عرضه هو قوة اللغة، فإني أذكر أحد المواقف في مسلسل تابعته. محاولة إثبات المحامي براءة موكلته بإستخدام اللغة. كان هناك مساعدة تعمل لدى مدير في أحد كبار الشركات في مدينة نيويورك، وكان المدير يطلب من المساعدة بعض الأحيان أن تبقى لوقت طويل من الليل، مرة يطلب أن يتناولا العشاء ومرة يتحدثان وفي أحد المرات حاول التحرش بها وهددها إن لم تفعل ما يريد أنها سوف تطرد لسبب ملفق مثل تقصيرها في العمل، في اليوم التالي ذهبت المساعدة مباشرة إلى قسم شؤون الموظفين وشكت على ما حصل. نظرا لمكانة المدير لم ياخذو باعتبار الشكوى وتم فصلها بسبب تقصيرها في العمل، قامت المساعدة برفع قضيتها للشركات ك pro bono case وهي قضية تأخذها شركات المحاماة كخدمة مجتمعية للأفراد الذين لا يستطيعون تحمل تكلفة محامي للدفاع عن قضاياهم، تم قبول القضية من أحد الشركات القوية، في أول جلسة جلس المحامي الخاص بالمدير مع المساعدة ليسألها عن بعض الأسئلة بشكل عام ثم وظف محامي المدير بعدها شخص ليفتش في جميع تاريخ المساعدة وعندما تم عقد الجلسة الثانية كانت الحجة التي استخدمها ضد قضية المساعدة هي كالتالي:
-قال لها أنتي قلتي في اللقاء الذي قبل أنك شخص صادق وأنك صادقة في كل ما قلتي صحيح؟
-قالت نعم.
-ثم سألها أنت لم ترتكبي أي جريمة قبل صحيح؟
-قالت صحيح.
-قال عندما كنتي في الثانوية سرقتي ملابس من أحد المحلات فكيف تقولي أنك لم ترتكبي جريمة قبل! إنك كذبتي وإذا كذبتي قبل هذا يعني أنك قد تكذبي الآن وبذلك كيف نصدق أن ما تدعيه من تحرش قد حصل بالفعل!
لكي أشبع فضولكم في حال رغبتكم في معرفة النهاية استطاع محامي المساعدة إثبات قضية التحرش وتم تعويضها.
٨٠٪ من تجربتنا العقلية هي لغوية، حيث أن اللغة هي التي تشكل إدراكنا وهي التي تعطي وزن لشيء غير ملموس كالفكرة، فحتى يتحقق حدث يجب أن يكون هناك مجهود فيزيائي لشيء ملموس، فحتى تحرك الكرسي يجب أن تكون هناك مادة مثل اليد لكي يتحرك واليد تتحرك بالأعصاب والتي هي مادة وكذالك…
فاللغة هي التي تحول الأفكار داخلك إلى شيء ملموس، فتوجد دراسة أكتشفت أن كل فكره لها تردد خاص بها، وطالما أن لها تردد يعني أن لها حيز مادي.
وأيضا لها تأثير على مشاعرنا، تقول دراسة انه الحضارات التي يوجد لديها اسماء مفصلة للمشاعر، الأشخاص فيها عادة يشعرون بتلك المشاعر بشكل أكبر لأنه يوجد لها اسم في تلك الحضارة. وليس فقط المشاعر بل أيضا تطور الحضارة بذلك يمكن لحضارات أن تكون أكثر تطورا من غيرها بسبب عامل تنوع ودقة المسميات لمختلف الأشياء في لغة الحضارة.
والأقوى من ذلك كله، سبحانه وتعالى اعطانا أجل الأسماء وهو كتابه القرآن، ألم تتسائل عندما تذكر الايات أن القرآن رحمة، وهدى مع أنه ليس بشيء ملموس مثل الذهب إنه لغة كلها اسماء فيها معجزة غير كل الكتب، فهو منه سبحانه ويزودنا كل ما نحتاج من معرفة لتأدية واجبنا.
أما الآن بعد أن حاولت عرض ما يملكه الإسم من قوى ويمكن أن أكون قد اسهبت زيادة عن اللزوم معذرة فإنني منبهرة بفكرة الإسم ولا اريد التقصير في حق عرضها، ولكن ليس هذا الغرض فقط، فبعد ما حاولت عرض أهمية الاسم سوف اشراككم طريقتي في الاستفاده منه.
نحن كما قلنا عندما يعرف الشيء بصورة أو إسم أو صوت فإننا بذلك نضع إيطار له للتعامل معه، كذلك جميع الأشياء والمواقف في حياتنا إذا لم نجد تعريفا لها لا يمكن بذلك إزالتها والتعامل معها. سوف اعطيكم كل ما تعلمته من مفاهيم وقصص ومعاني لكي تُسَمو بذلك ما يحصل معكم حتى تتعاملو معه بشكل أفضل.
المراجع:
كتب:
The Brain ،The secret
مراجع أخرى: