١٢ يوما من العزلة
في لحظة ملل وأنا أتصفح التويتر سأل أحد الأشخاص الذين أتابعهم ما هو أسوأ شعور؟!
تعددت الإجابات بين الحيرة والندم وعدم مبادلة الشخص الذي تحب نفس الشعور ولكن تكررت إجابتان لفتت نظري وهي انعدام الرغبة وفقدان الشغف.
إننا نصبح فارغين ونخطط في أذهانا أن نأكل قطعة شوكلاته لتملأ هذا الفراغ، ولكن ماذا بعدها كم من القطع نحتاج حتى تمتلأ هذه اللحظات الموحشة، لحظة هادئة نترك فيها مع أنفسنا بدون أي وسيط يلطف بيننا الأجواء. في هذه اللحظة يمكن أن ندرك وحدتنا أو عدم وجود شيء سواء سبب أو معنى أو هدف يحركنا، يدفعنا أن ننمو أو أن نكون انفسنى في أبهى صورة. في هذه اللحظة نحس بوحشة شديدة وتضيق بنا أنفسنا والعالم بأكمله وكأنه يذكرنا بسكوننا وليس أي سكون، سكون قد يظهر في خارجة أنه لا مغزى ولا فائدة منه، سكون يظهر عليه الوقوف والوحدة والضجر، ثم تأتي بعده فكرة سهلة ومغرية بأن نشاهد مسلسلا ما أو أن نخرج مع صديق ينسينا حالنا هذا الذي نهرب منه بشتى الطرق، ونخطط فور استيقاظنا ماهي الأشياء التي تساعدنا على الهرب من هذه الفكرة.
إثنا عشر يوم من العزلة كانت كافية بالنسبة لي لكي أواجه فكرة انعدام المعنى أو دعني أقول جهلي بالمعاني من حولي لكي أكون أكثر صراحة، فإنعدام الشيء يعني عدم وجودة تماما ولكن المعنى موجود في حياتنا وإذا وصفناه بالانعدام فهو لأننا لم ندركه بعد. دعني أعرف لكم ما اقصده بالمعنى، المعنى في حياة المرء هو شبيه بمعنى الكلمة، الكلمة في حروفها المتفرقة لا تشكل مغزى من وجودها ولكن عند تراص حروفها بترتيب يدرك الآخرين ما تحمله من روح، وأقصد بالروح هوا الشيء خلف المادة مثل الكتاب هوا مادة ولكن يحمل روح غير ملموسة وبهذا تكون قيمته، كذلك حياتنا المادية الصعبة لابد من أن نجد ورائها روحا تعطي هذا الجسد المعنى الذي يحركه، وهذه حاجة لدى كل شخص منا. أنظر حولك سوف تجد كل منا يحاول أن يربط سببا يجعل سعيه له قيمة وراء المادة، الأم معنا حياتها بأولادها، المحب بمحبوبه، الطبيب منصبه أو إنقاذه لحياة الناس، وغيرها من المعاني التي ممكن أن تحرك أجساما تكاد أن تكون جثثا لو لم تخلق من أجل معنى يجب أن تحققه.
دعني أكمل لكم عزلتي، بطبيعتي أميل إلى العزلة عن الناس، أقدس حريتي وأحب أن أكون حرة يومي غير مرتبطة بقرارات أشخاص معي. وفي يوم من الأيام تعبت قليلا وذهبت لعمل تحليل مختبري وأتضح أنني مصابة بفايروس كورونا، وبدات بعزل نفسي عن عائلتي وأخذت إجازة من العمل. حقيقة ظننت أنها فرصة نادرة لكي اقرأ المزيد من الكتب وأنشغل ببعض الهوايات التي تركتها بسبب الانشغال في العمل، ولكن لم تكن بالسهولة التي توقعتها، لقد كانت وما زالت من أصعب المواجهات، أنا التي كنت أظن أن حياتي مليئة بالمعاني وجدت أنه حياتي كانت مليئة بالانشغال الذي ساعدني من الهروب من هذه الحقيقة، حقيقة أنه إذا تركت لوحدي دون العمل مع شركائي وإذا توقفت الشركة سوف أتوه تماما، ولا اعرف أين سوف أذهب بنفسي ؟ أين اجد معنى يزيدني سعيا في هذه الحياة وحيوية؟
لم تكن عزلتي مثمرة كما تأملت، وكان فيها الكثير من مشاهدة المسلسلات والأفلام لتضييع الوقت، وللهروب من الملل، ولكن قطعت وعدا فيها أن احاول بشتى الطرق أن أجعل عزلتي ذات معنى أكثر، وأثريها بالتأمل والقراءة والكتابة، لعلي أجد معنى أكمل به رحلتي بشغف وطاقة أكبر للحياة.
إننا أجمل وأقدر وأمكن من أن نخطط أن تمر أوقاتنا ونحن هاربين، وكما يقول دكتور مصطفى محمود نحن في عصر توجد فيه شتى الوسائل لقتل الوقت بينما يمكننا أن نحيي أوقاتنا. وحياة أوقاتنا قائمة على أن تكون حياتنا ذات معنى نسعى من أجله، ولا يشترط أن يكون معنى واحد ثابت، ولا توجد شروط فيه، إنه يختلف بإختلافنا وباختلاف ظروفنا وعمق إدراكنا وحياتنا الفكرية.
هل وجدت معنى الآن؟ لا حقيقة مخيبة، ولكن دعني أوقول أنه المعنى الحالي الذي أعيشه هو أن أبحث عن معنى جديد لا يربطني به مكان ولا شخص، معنى يحقق لي الزيادة مما يمكن أن أكون عليه.