حِوارٌ بين أجزائي عن الفُراق
أُحِس بِحزن شديد يَمتزجُ مَعه حُسن الظن والفرح، وكأن كل جزءً في ذاتي يُحدث الآخر عن رغباته، ف يُواسيه الآخر فلا تكفي مواساته فيحزن ربما لأنه توقع أكثر من ذلك!
ثم يسأله: لم أصابك الحزن قبل مواساتي؟ قلي لعلني أقول لك قولا لا يُخيب ظنك فتحزن.
قال: لا أعلم، حَقيقةً لا أعلم مصدر حزني، فقد امتزجت علي مشاعر الشوق والفُراق، ربما شوقٌ لكمال قريب، وفراقٍ عن صديق عزيز سوف يذهب وتذهب معه لحظات التحدث في الكون والنفس والجمال، عن الحمد وعن الشكر وعن الذكر، صديق تَطيبُ بِه اللحظات ويُغذي شَوق معرفةِ الخالق والحبيب المصطفى، وصديق آخر تتعدد ألوانه، تارة شعلة من الحماس والفكاهة وتارة شعلة من الغضب والاندفاعية لاتعلم ما تفعل به أو معه، لكن لديه نفس صادقة وواضحٌ مَطلبها، يُضيف عليك الثقة والتجديد، وصديقٌ آخر في نظرته يطبطب على نفسك فتهدأ، لأنها تعلم أنه يَفهمُها ويَحتويها، في كل شعرة من شعره الغجري تتولد فكرة جديدة، تُجدد رغبته في الحياة ثم يموت وتحيا فيه فكرة جديدة أخرى، أسأل الله أن لا تنطفىء له شُعلة سعيٍ أبدا، وصديق آخر يدخل بابتسامته، لا تعلم هل هي إبتسامةٌ يخفي بها حزنه أم أنها إبتسامةٌ يواجه بها حزن الحياة وكدرها، يدخل فنستنشق هذه الابتسامة مهما كان سببها، ونعلم أن هذا اليوم سوف تملئه الضَحِكات مع فناجين القهوة العربية. ما اجملهم وما أجمل الأوقات معهم. ثم تأتيك خاطرة أخرى تحدثك عن شوقها للخروج والحرية، شوقها لمقابلة كل ما هو جديد من أشخاص ومهام وأشياء، تريد التمعن والتعقل والتفكر والزيادة في كل ما يزيد كمالها، تقول أريد أن أكون عصفورا حرا يطير بِخفة وتَتَغذى كل حواسهُ ومَداركه من كل أرض يحلق فوقها.
ويقول جزء آخر: كل شيء سوف يتغير.
ثم يسأله: وهل هذا التغير سوف يؤذيك شيئا؟
قال: لا فَارقَ لدي إن كان جيدا أم سيئا، كل ما في الأمر أنه سوف يجهدني، فإني لا أعلم ملامحهُ، ولا أستطيع توقع نتائجه وعدم المعرفة يزعجني.
قلي، ما هو القول الذي سوف تقوله لنا؟ فقد ضقنا بنا، وتهنا بنا، ولا نعلم صادقين نحن أم شرٌ يمنطق لنا أفعالنا لبلوغ غايته، قل لنا أننا صادقين في نوايانا، أننا طيبين، ذو نفوس زكيةٍ، طمأننا أننا نسعى ولا نتخاذل ونتكاسل في سعينا، طمئنا أننا قُبِلنا وأننا خير من نُفِع به غيرُنا، أننا حققنا الصورة التي يحبنا عليها نبينا.
قال: الحمدلله الذي رغبكم في كل طيب، وحفكم بمن هم أطيب منكم، وملئ أوقاتكم وأفئدتكم قوتا طيبا يزيدكم من كل كمال نفحة.
ثم قلنا: الحمدلله و حسبنا الله سيؤتينا من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون.
وقبلنا ما نحس به من ألم، نعلم أنه لا رغبة لنا الآن إلا أن نواجة هذه اللحظة، وأقصد بالمواجهة أن لا نهرب من كل فكرة يتبعها حزن أو عدم الرغبة في فعل أي شيء، أن نقبل توديعه لنا، كان وداعاً سريعا وكأنه يهرب من نفسه، يهرب من الوداع، والشوق اعترى وجهه، ذهب فارغ الفؤاد. ذهب وترك حزنه لي، فإني أحسسته وكأني أنا الذاهبة، ثم اثقل علي بجبل لا علم لي هل يحملة ظهري، ولا رغبة لي في حمله، سلمني الهاتف والختم ومعهما أمانة.