«وكانت قَدَمِيَ المرتكزة هي السفلى دوامًا»


إنني أتخيّل دائمًا ما نوع وشكل النّعلَين اللّذَين احتذاههما دانتي عند خَطْوِهِ البدء في الجحيم. لكنّي أعرف بأنهما على أعلى مستويات الجودة؛ إذ استطاعا تثبيت قدمَيه على الأرض. لم يصف دانتي قَدَمَيه طوال مكابدة الارتحال نزولًا أو صعودًا، ولم يذكر رداءة نعلَيه أو حسنهما. لا بدّ أنه امتلكَ حذائين يقيانه وعورةَ الطريق وانحدارات الجحيم وضيق سفوح المَطهر، وإنني لَأجزمُ أن الشّاعر أثناء إنشاده القصيدة، فكّر بهما، فضلًا عن شخوص نصّه. إن جلّ اللوحات التي يسكنها دانتي يكون محتذيًا فيها نعلَين متينَين؛ فلم يفلت من رجالات الفن نعلَا دانتي. لكنّي أتساءل لماذا لم يفكّر النقّاد والشّراح في حركة أقدام دانتي في جحيمه ومطهره؟ فقد كان يؤدي رقصًا من نوعٍ خاص، لا يستطيع عليه غيرَه. لقد اعتاد الشاعر بلوغ الجبال مشقّةً، بل وكان جسمه الأمرَن من أرواح شخوصه؛ لأن المنفى أجبره عليها. كان دانتي عاشقًا لضروب الحركة كارهًا للجمود. نلحظ هذا في الجحيم: من بكاهم الشاعر كانوا في حركة دائمة، أما الذين كرههم عكفوا على الجمود والثبات. لم يكن دانتي قلقًا على قدمَيه في الفردوس، فقد كان في حالة سمو. هنا، نجد نوعًا من العلوّ اللغوي لدانتي، فاسمه أليگييري «Ali-ghieri»، وهو قريبٌ من لفظ «ألِي» وتعني أجنحة. صوّر الفنانون دانتي في هذا السمو خالعًا نَعليه، سابحًا في فضاء الفردوس، مؤديًا أسمى رقصة في حياته لفناءه، متّجهًا إلى الفردوس الأعلى؛ ليذوب في البهاء الإلهي. يتجلّى حبّ دانتي للحركة في كتابه القصير «الحياة الجديدة» وهو يصف إيماءة بياتريتشى التي جلّاها ثوبُها الأبيض، وهي تمشي بخطًى راقية وديعة. إنّ هذه المِشيَة هي ما ألهبت فكرَ دانتي وشعره.

Join