رحلة اختيار المعالج الملائم 

ترجمة الأخصائية النفسية: عائشة المسلّم

بدايةً لنتعرف على العلاج النفسي قبل الإسهاب بمعايير اختيار المعالج المناسب، يختلف العلاج النفسي عن الطب النفسي باعتبار الأول نوع من أنواع العلاج يعنى بتخفيف الكرب العاطفي ومشاكل الصحة النفسية، تُقدم من خلال مختص بعلم النفس أو علم الاجتماع أو الطب النفسي -ومؤهل لتقديم جلسات نفسية بجانب صرف الدواء-، يدور العلاج النفسي حول فحص النظرة إزاء الحياة واكتساب نظرة ثاقبة على الخيارات المتاحة والصعوبات التي يواجهها الأفراد أو الأزواج أو الأُسر، وبإيجازٍ شديد فالعلاج النفسي يعد لقاءات منتظمة بين المعالج المرخص والمراجع بغية تحسين جودة الحياة، يشمل العديد من نظريات العلاج المختلفة وتكنيكات متعددة، الجانب الأهم هو أن المراجع والمعالج يعملان بشكل تعاوني لمراقبة التحسن، قد تواجه طالب الخدمة بعض الصعوبات -في البداية- إلا أن المنافع من إتمام العملية العلاجية تحوِّل الحياة تحولًا جلي. 

 

ثم لنرَ ما النقاط المهمة لاختيار المعالج الجيد؟ برأي جوناثان شيلدر – أستاذ وعالم نفس أمريكي حاصل على الدكتوراه- :(أن العلاج النفسي قائم على اشتراك المعالج والمراجع في ثلاث نقاط: 

  • التواصل الجيد بين المعالج والمراجع.

  • الاتفاق المتبادل حول الأهداف العلاجية.

  • الاتفاق المتبادل حول الأدوات الملائمة لتحقيق هذه الأهداف.

وحسب رأي شيلدر تتوفر الأولى في معظم العمليات العلاجية إلاأنه توافر الاثنتان الأخريات ينم عن علاج فعال وجيد،فيتوافر الأولى لوحدها منقصة حيث تعد علاقة علاجية دافئة و داعمة ،لكنها تخلو من التحسن

 لايعد المعالج الخبير بكل انواع العلاج خيارًا جيدًا

من المهم تقاسم الفهم بينكما فيما يخص ما تسعى إليه وأهدافك من العلاج، لا يعتمد فقط على فهم المعالج لوحده لأهداف العملية العلاجية ولا يكتفى بفهم المراجع لوحده كذلك.. لكنه أمر يستقيم بينهما يعملان على نمائه وتكامله خلال رحلة العلاج، قد يتوصل المراجع لفهم مشكلته وأهدافه التي يسعى لتحقيقها -والتي في هذه الحالة لا يضطر لطلب المساعدة من المختص- إلا أنه في الحالات الأخرى تتمثل مهمة الأخصائي النفسي في المساعدة على توضيح اللبس في الأحوال التي تواجهنا صعوبة في الخروج منها وتستدعي طلب المساعدة لإيجاد الحل، إذ أنه عند الوصول للفهم المشترك داخل العملية العلاجية يتضح أن شيئًا جوهريًا يحدث. 

في أحوال معينة يصعب على المراجع البوح بمكنونه لكنه يعلم أن ثمة خطب ما، مثل أن يشعر بالضياع أو الفراغ والوحشة.. إلا أن الكلمة لا تسعفه، في هذه الحالة كان يتساءل طلابي عن الآلية أو الطريقة التي تعينهم لمساعدة المراجع للتوصل لما يعاني منه.. من وجهة نظري أنه في هذه الحالة تظهر خبرة المختص في رؤية الأمر من منظور لم يستطع المراجع الوصول إليه، ويشارك مراجعَهُ في الوصول للفهم الصائب للمشكلة من خلال طرح الأسئلة التي تحفزه للتحدث أو بتوجيه المقابلة العيادية بالتعبير عن وضعه، أن ثمة خطب ما وأننا سنصل لصورة واضحة، باستخدام الكلمات الملائمة التي تعبر عمَّا نعاني منه فعلًا، وفي الحال الذي أسلفناه حينما تعوزه الكلمات.. فإن المعالج يتولى كفة القيادة في المقابلة بطرح الأسئلة، مثل أن يقول:" أعلم أن ثمة خطب ما لكنك لا تجد الكلمة المناسبة التي تعبر عنه وتصفه" وإذا ما لاقى الموافقة من المراجع فإنه يُكمِل:" قد يساعدنا أن نجد الكلمات الملائمة، لتستوضح الصورة ونتوصل للحل سويًّا." قد يظهر المعالج شيئًا من الحزم هنا لغاية الفهم الذي ستستند عليه العملية العلاجية.. وموافقة المراجع على جزئية "إيجاد الكلمات المناسبة" يعد إشارة خضراء لاستمرار المقابلة. وستكون المهمة المشتركة هنا إيجاد الكلمات والتعبير عن الخطب الذي يلمُّ بالمراجع. 

إذا ما تقاسما الفهم.. إذ لا يمكن المعالج وحده الوصول للفهم ولا تعد عملية علاجية كاملة إذا ما لم يعبر المراجع عمَّا يشعر إزاءه بالسوء ويتوصل إليه.. سيتطور خلال العملية العلاجية بالتركيز عليه، المهم أن يملكا -كلًّا من المراجع والمعالج- نقطة بداية للانطلاق، حتى أنه في الجلسة التالية يُتابع التسلسل الذي شرعا به سويًّا. 

 

كما أسلفنا أن من أسس العلاج الجيد تقاسم الفهم، إنه ليس فهم المعالج فحسب، إنما فهم كلا طرفي العلاج، العلاج النفسي ليس لقاء صُوَري بين اثنين وتبادل الحديث لكنه عملية تبني على الفهم المتبادل والأهداف المشتركة والفنيات العلاجية الملائمة. 

قد يدور في خلد المراجع أحيانًا أن المتخصص هنا هو المعالج وبالتالي يقع معظم الحِمل عليه في فهم واستيضاح الصورة، إلا أن هذا المفهوم منقوص إذ لا يمكن له الوصول دون الاستعانة بالمعلومات التي يقدمها المراجع. 

 

إذًا، كيف تختار المعالج الملائم؟ لا يعد المعالج المؤدلج* خيارًا جيدًا، ولا المعالج الذي يدّعي معرفة كل شيء، ولا الذي يسوّق لطريقته العلاجية كما لو كانت علامةً تجارية، فطريقة العلاج لديه معدَّة سلفًا، ناهيك عن تفهّمك، ولا يعد المعالج الخبير بكل أنواع العلاج خيارًا جيدًا أيضًا.. قد ينتهي بك المطاف مع معالجٍ هاوٍ أو معالج يسعى لملء جدوله دون الإفادة. 

لكن المعالج الذي يبدي اهتمامًا بما تقوله، ويولي تركيزه للوصول للتشخيص، ولاحظ إذا ما كان يدعوك للمشاركة بالتفكير للوصول للحل، وإذا ماكان كلاكما يسعى لبناء فهم مشترك لما أشكل عليك حلُّه، ولا تبدو خطته معدَّة سلفًا دون الرجوع للفروق الفردية بينك وبين سواك من الناس، الفهم قد لا يتضح من الجلسة الأولى فحسب، ويتطلب عددًا من الجلسات لكن الأخذ بالاعتبار وجوده من بدء العلاج هو ما يهمّ فعلا. 

حينما تتوافر جميع هذه الأمور في المعالج الذي تزوره فهذا يعد جوهر العلاج الجيد. 

 

*مؤدلج: أي يميل لأفكار واعتقادات سواءً لفرد أو جماعة.( المعجم المعاصر) 

 

المصادر: 

 

https://www.psychologytoday.com/us/basics/therapy

 

https://www.psychologytoday.com/us/blog/psychologically-minded/201604/how-choose-therapist

 

Join