فرويد والمعنى


ترجمة :عائشة المسلّم

المعنى من منظور التحليل النفسي المعاصر. 

 

إحدى السمات المميزة والمعروفة في علم النفس -بشتى نظرياته- تتمثل بمقدار الاهتمام الذي يوليه للطرق التي يظهر بها الإنسان ما يعنيه، ويقرر ما يهمه، إلى أن يصل للمعنى. 

 

حسب رأي المحللة النفسية المعاصرة جودث ليفي وهي ضمن أكثر المحللين النفسيين الذين أولوا انتباهًا للتحليل النفسي المعاصر والمعنى، جودث في " إيجاد المعنى في النظرية والتطبيق للتحليل النفسي " تشرح:

"كمعالجة نفسية، ولوقتٍ طويل أعجبت كثيرًا بعمل إيريك، وسعيدة جدًا بدعوته لنا للتفكير بطبيعة وتوظيف إيجاد المعنى في حيوات الآخرين، هذا الجهد والسعي يبدو مألوفًا لي أعني بالنظر للنظرية التحليلية بذاتها فقد سعت للبحث عن الطريقة والأسباب وراء أوجه عديدة للحياة، ونظرت لها بمعنى خاص، كيف يتطور المعنى؟ وما الغاية التي يسعى لتحقيقها؟ وكيف نقدر على خلق المعنى وتنميته؟ وما الذي يمنعنا من فعل ذاك؟ 

الأشياء التي يرغب بها الفرد أحيانًا تكون هي مصدر رعبه

نظرية التحليل النفسي لو أخذناها كصورة متكاملة فهي نظرية للعقل، ونظرية للارتقاء الطبيعي والمرضي، ونظرية العلاج النفسي، وفرويد أول من افترض أن كل ما نفهمه بمغزى، يُحدد بعوامل واعية وغير واعية، وأن خلق المعنى هي تجربة ذاتية تتأثر دائمًا بالصراع الداخلي. 

 

يعمل التحليليون على فهم أسباب التثبيت أو الكبت -كحيلتين دفاعيتين- تعد من الموانع التي تجعل من الصعب إنشاء أو اختيار أو استكمال التجارب التي تعزز المعنى الشخصي، فالسؤال الذي يطرحُه التحليل النفسي: كيف يمكن تلبية رغباتي على أكمل وجه؟ -بما في ذلك الرغبة بتكوين المعنى الشخصي- في كلٍ من الحب والعمل مع الاحتفاظ باحترام لذواتنا، وتنظيم حالات القلق، والإحباط الحتمي المصاحب للسعي وراء ما يعنينا. 

المحللون النفسيون يحترمون تناقض الطبيعة البشرية، أي أن الأشياء التي يرغب بها الفرد أحيانًا تكون هي مصدر رعبه كذلك، لمَ؟ لأن عواقب تحقيقها قد تكون خطيرة، ترتبط الأخطار بالخسائر الحقيقة أو المتخيلة، لا سيما فقدان الأمن والأمان والسلامة الجسدية والحب. 

نحن البشر نملك طرق ماهرة للدفاع عن أنفسنا أمام القلق، تتضمن إيجاد مظاهر بديلة من الإشباع والتي قد تغني بشكل كاف عن الانشغال "بما يعنينا حقًا"، ولكنها تعد تسوية معتبرة أمام الأخطار والمخاطر الكامنة للشعور بالحياة.

يساعد التحليليون المعاصرون الأفراد على اكتشاف ودراسة :كيف تشكل العلاقات بالآخرين، سواءً الحقيقي منها أو المتخيل، الشخصيات والأهداف والقيم والمحظورات والشعور بحرية الاختيار 

 

كما أنها تكشف الستار عن الأوهام والصراعات اللاواعية وتوضح معناها، وتمنح الأفراد التمتع بحيواتهم بشكلٍ أكثر عمق وحرية والذي يقود الحياة لتصبح هادفةً أكثر، وتمنحهم خوض غمار التجارب المجهولة أو الغامضة ليس لأنها خطيرة أو مثيرة للقلق، ولكنها فرصة للنمو والنضج كذلك…

 

أود كذلك الإشارة -باختصار- لأهتمام إيريك "بطبيعة وأهمية المعنى للإنسان"، في العقود القليلة الماضية، كان التحليليون وباحثو التعلق يتناولون العلاقة بين التوتر الشديد الذي يخلفه عدم التوافق بين الأمهات وأطفالهن، وحالات تأثر تنظيمها واختل، أي أن قدرة الأطفال الطبيعية على خلق المعنى قد تتأثر وتتشوه من خلال ترميز وربط الأفكار والمشاعر ببعضها البعض، إذ أنها تعد عملية معقدة وتؤثر على الطريقة التي ينتظم بها عقلية الطفل، وفيه تداعيات تتعلق باستمرار النمو المعرفي والوجداني في مرحلة الطفولة للرشد، حيث إن تأثيرها ممتد لأكثر من مرحلة حسب ما ذكره إيريك، ويظهر بشكل طفيف، مثل: وجود عوائق في التفكير ، وصعوبات في الكتابة -باستخدام اللغة-،  ضعف المرونة العقلية والخيال، والتفكير الملموس، والجمود، ومشاعر الشلل العقلي، والفراغ، والانفصال، أو الشعور المزمن باللامعنى.     

 

بالغالب، هذه المشاكل ليست ثابتة، ولا تحدث في قطبي (إما- أو) لكنها قد تحدث في سلسلة متصلة وفي سياقات محددة، أي بدلًا من للنظر للآخرين على أنهم إما أسوياء أو غير أسوياء، أو التفكير من منظور تشخيصي، ينظر المحللون النفسيون لهذه العمليات بمستويات متعددة، إذ أنهم يعيشون مع هذه الظواهر وخلالها أثناء محاولتهم خلق معنى مرورًا بما يسمى بـ"المرحلة الانتقالية" والتي ساعد في بنائها المحلل النفسي والمراجِع، تتناول كلًا من ما يتنازع حوله الآخرين والعملية التي تظهر فيها هذه النزاعات أو تُفعّل مع المحلل أو في الحياة."

 

 

 

المصدر بتصرّف: 

Maisel, Eric, 2011, "Freud and Meaning", https://www.psychologytoday.com/intl/blog/rethinking-mental-health/201112/freud-and-meaning

 

Join