تعاقب العسر واليسر 

لطالما تحدّثتْ مع أختي عن ابنة جارتنا وتغيُّرها المُفاجئ الذي لا نعرف له سببًا. حاولنا الحديث معها أكثر من مرّة، لكن عَبَثًا نحاول. كانتْ هدى من أجمل البنات خِلقة وخُلقًا، لكنَّ طارئًا ما حدث في حياتها _لا نعرفه بالطبع_ قَلَبَ حالها هكذا رأسًا على عقب، فتحوّلتْ إلى إنسان لا نعرفه وكأنّنا لم نعش في الحيّ نفسه، سبحان الله!


فتحوّلتْ إلى إنسان لا نعرفه وكأنّنا لم نعش في الحيّ نفسه، سبحان الله!


زينب حسين

نتقلّب جميعنا في نِعم لا نفكّر في فَحْواها وقيمتها إلا بعد فُقْدانها، رُبّما من مشاغل الحياة، ورُبّما لكثرتها، منْ يدري؟!

من هذه النعم -على سبيل المثال لا الحصر- تعاقب الليل والنّهار.


الّليل والنّهار آيتان من آيات الله الكونيّة. نراهما كلّ يوم، فهما بالنّسبة لنا شيء بَدَهيّ لا نُلْقي له بالًا، ولا يستحقُّ الوقوف عنده طويلًا. 

لكنَّ السؤال هو: هل هما كذلك في الواقع، هل هناك من فكّر في هذا التّعاقُب وفي تَكْراره؟!


الحقيقة الّتي تحتاج منّا تأمُّلًا هي أنَّ هذا الاختلاف -اختلاف الليل والنهار- ليس معناه أنَّ هناك تعارضٌ بينهما، بل معناه أنَّ كل منهما يأتي بعد الآخر، ولعلّه السّبب نفسه الذي جعلهما آية لأولي الألباب، أصحاب العقول النيِّرة الذّكية المتأمّلة لمُراده سبحانه وتعالى في كلّ شيء. 

 

ولا عجب؛ لأنَّه جلّ شأنُه ما أعطانا هذه الهبة -العقل- التي حرمها غيرَنا كالحيوانات مثلًا، إلّا ليجعلها الأداة التي نُميّز بها بين الشّيء وضدّه، ونتفكّر بها مُراده في آياته.


فكتب له الوزير في فصّ خاتمة كل هذا سيمضي

قصة قديمة

أيُّها القارئ الكريم: نستطيع تطبيق فكرة تعاقُب الّليل والنّهار على حياتنا اليوميّة، قد تسألني: كيف ذلك؟ سأخبرك: إذا أتى على الإنسان وقتٌ أهمّهُ، ونزلتْ عليه من الشّدائد الكثير، لا يستطيع الانفكاك عنها مهما أوتيَ من قوّة وجَلَدْ؛ إذْ نفسُه ضعيفة خائرة، والنّكبات النّفسيّة أنْهكتهُ، لو تفكّر بهاتين الآيتين -الّليل والنّهار- لذهب ما به من ضيق وهمّ، وتحوّل مع الوقت إلى فرح وغبطة؛ لأنّ هذا المفهوم -أي تعاقب الليل والنهار - لو تمثّله الإنسان في نفسه سيعْلم يقينًا أنَّ كلّ ليل سيعقبهُ نهار، وأنَّ كلّ حُزْن في الحياة لابُدَّ له أنْ ينْجلي، وتُشرق شمس الصباح والأمل والتّوفيق من الله عزّ وجلّ. 


وممّن طبق هذا المفهوم ما رووه أنَّ أحد الملوك طلب من وزيره أنْ يعمل له في فصّ خاتمه مقولة: إنْ رآها الملك وهو في حزن فرح، وإنْ رآها في فرح أخذ حِذْره ولم يطغَ، فكتب له الوزير في فصّ خاتمة كل هذا سيمضي.


يتّضح لنا ممّا سبق أنْ لا شيء باقٍ على حاله، وكلٌّ إلى زوال، ولكن بميعاد. فمنْ استطاع بقُدرته الّتي لا تُضاهيها قدرة أنْ يذهب بالّليل ويُخلفه بالنّهار، وهو نفسه الذي سيبدّل تعاستكَ فرحًا وانكساركَ قوّة. 


أخيًرا، الحلّ بسيط لمنْ أراد، لا إفراط ولا تفريط، ثِقْ بالله أولًا ثم بنفسكَ، فالّذي أتى بساعة العُسر، هو نفسُه منْ سيأتي بساعة اليُسر.

لا تنظر لمُعوّقات الحياة وكلّ الأشياء المُحبطة، ففيها -أي الحياة- ما يستحق العَيْش من أجله، ولتكن نظرة التفاؤل هي رفيقتُكَ أينما حللتَ،  ودائمًا عزيزي القارئ الاختيار بيدكَ وحدكَ، فاخترْ لنفسكَ ما تُريد.


Join