كيف يكون الصبر دواءً للأحزان؟!

ما زلتُ أتذّكر ذلك اليوم، حين عُدْتُ من المدرسة ودخلت البيت ووجدتُها غارقة في دموعها، لم تصل لحدِّ الإغماء لكن أوشكتْ عليه، أمي الحبيبة!

تجلس أمي على الكرسي الذي بجانب الهاتف وجهها شاحب، عيناها لا تكاد تُرى من الدموع، ثيابها مُبلّلة وكأنَّها تمشي تحت مطر غزير، لا تستطيع إلتقاط أنفاسها.

اقتربتُ منها، سألتها: ما بكِ أمي، لم كلُّ هذا البكاء

اقتربتُ منها، سألتها: ما بكِ أمي، لم كلُّ هذا البكاء، ما الذي سمعتيه يجعلُك تَبْدين هكذا؟ قالتْ لي في حزن بليغ: أبي، أبلغوني للتوِّ بوفاة والدي -رحمه الله-.

حينها فقط فهمتُ لِمَ هي كذلك. عقلي الصّغير لم يكن ليَسْتوعب كلّ ما رآه وسمعه، ولا يُهمني في القصة كلها إلا أمي، كنتُ خائفة أنْ تموت هي الأخرى أو يُصيبها مكروه، فأفقدها كما فَقَدَتْ هي والدها، بعدها ستتركني وللأبد.

البيت كله حزين، بكاء في كلّ ناحية، رنين الهاتف لا يهدأ، هناك الكثير ممّن يتصلون لتقديم واجب العَزاء، والجميع اتّفق على كلماتٍ بعينِها، لايرونَ ولا يسمعون بعضهم، لكنَّهم مع ذلك يرددونَ الكلمات نفسها: اصبري، الصبر عند الصدمة الأولى، رحمه الله، عليك برَباطَة الجَأش، لن يرتاح في قبره إذا بكيتِ.

ولكن هناك كلمة تردّدتْ أكثر من غيرها، هي: الصبر. لماذا يا تُرى؟!

لِمَ الجميع يطلب من أمي الصبر، وما هو ليكون جزاءه بغير حساب؟!

هل هو شيء مؤلم كألم رحيل جدي على قلب أمي، هل يجعلنا نذرِفُ الدّموع على أحبابنا؟ سألتُ نفسي أسئلة كثيرة ولكن هيهات هيهات ألقَ لها جوابًا.

الشيء الوحيد الذي كنتُ أفعله هو الوقوف على باب غرفتي وتأمّل وجه أمي عَلَّني أفهم ما يطلبه منها الجميع. والطريف في الموضوع أنَّ أبي أيضًا كان من بين من يطلُب منها ذلك. سبحان الله!

بدأتُ أشعر أنَّ هذا الصبر رُبَّما هو الدواء الوحيد الذي سيُساعد أمي على الخروج ممّا هي فيه، وستتجاوز معه هذه المرحلة الصعبة التي تمُرُّ بها، لأنَّه إنْ لم يكن كذلك، لم حثّها عليه القريب والغريب؟!

أذكر هذه الحادثة التي مرتْ عليها أعوام طويلة وكأنَّها أمس، لا تُفارقني، والتفكير فيها يزيد اندهاشي. بحثتُ على الشبكة العنكبوتية عن الصبر، بُغية التعرف عليه أكثر. وبعد طول بحث، توصلتُ إلى أنَّ له تأثيرًا عجيبًا على النفس، سبحان الله!

وهذا ليس كلامي، بل كلام المُتخصصين. هو راحة ودواء للروح، ينزِل عليها فيتبدَّدُ معه حزنها وضيقها، ويتحّول ما بها إلى اطمئنانٍ لا مثيل له، لذلك قال تعالى: الذين إذا أصابتهم مُصيبة قالوا إنّا لله وإنّا إليه راجعون. وفي هذه الآية الكريمة تمام الرضا بقضاء الله وقدره، والصبر على ابتلاءه.

وكما قال الشاعر:

لكلِّ امرئ من أمره ما تعوّدا

المتنبي

هذه السكينة التي تنزل على النفس ما هي إلا نَتاجُ ذلك اليقين والاستسلام للمولى عزّ وجلّ. وهو السرّ نفسه الذي جعل الصبر جزاءه بغير حساب.

الإنسان بطبيعته يأباهُ مهما أوتي من قوة وجّلَدْ، لا يتحمّله، يجزع، يفزع، لكن من أراده -أي الصبر- سيستطيع التعامل معه؛ فكلّ ما في حياتنا يحتاج تعوّدًا حتى نألَفْه، والصبر ليس بِدْعًا من هذه الأشياء.

وكما قال الشاعر:

لكلِّ امرئ من أمره ما تعوّدا.

كلّ ابن أنثى وإنْ طالتْ سلامته

يومًا على آلة حدباء محمول

كعب بن زهير

وأجمل ما في النفس البشرية قدرتُها على التكيّف مع كلّ الظروف التي تمرُّ بها، فعلينا مُجاهدتها، وتَرْويضها ما استطعنا إلى ذلك سبيلًا.

أخيرًا -عزيزي القارئ- قال الشاعر كعب بن زهير:

كلّ ابن أنثى وإنْ طالتْ سلامته

يومًا على آلة حدباء محمول

هذه هي الحقيقة التي لا مفرّ منها في الدنيا، كلٌّ إلى زوال مهما طال عمره، وأجمل مثال على ذلك نوح عليه السلام، بعد 950 سنةً، رحل! فاصبرْ وتحمّلْ، وارضَ بقضاء مولاكَ تكن أسعدَ الناس.

Join