ما أجمل الذكريات!

التاريخ يعيد نفسه. كلمات بدأتْ بها غادة حديثها مع ابنتها أسماء حينما رأتها في الحديقة.

ذات يوم خرجتْ غادة لتأخذ شيئًا من حديقة منزل والدها، في أثناء ذلك، رأتْ ابنتها تصب التراب على شيء وضعته داخل الأرض، اقتربتْ منها وسألتها: حبيبة قلبي مالذي دفنتيه في الحديقة؟ ابسمتْ أسماء: إنّه صندوق ذكرياتي يا أمي، ليس هناك آمن من هذا المكان لأضعه فيه؛ حتى لا يضيع أو يسرقه أحد ما.

تعجّبتْ الأم من ردّ ابنتها، فبادرتها: وهل تحبينه وتهتمين لأمره لهذه الدرجة؟ ردّتْ أسماء دون تفكير: أجل، إنه أغلى شيء في حياتي. لمعتْ عيني غادة وهي تتذكر الموقف نفسه بينها وبين أمها. لم تكن أسماء تُدرك حقيقة دموع أمها ولا سبب أسئلتها تلك، لكنها أكملتْ ما كانت تفعله، حتى إذا ما انتهتْ منه، لم تستطع إسكات فضولها لمعرفة سرّ اهتمام أمها بالصندوق.

عرفتْ الأم أنّ صغيرتها تودُّ لو سألتها عمّا دار بينهما؛ من أجل ذلك آثرتْ البَدْء في الحديث: اجلسي يا أسماء لأحكي لكِ حكايتي.

كنتُ في السادسة عشر من عمري حينما تقدّم والدكِ لطلب الزواج مني. لم تكن أسرتي تريد ذلك؛ لصغر سني، فأقنعتُ والداي بأنني أريده ولا أريد سواه. بعدها اشترط عليه والدي الانتظار حتى أُنهي دراستي الثانوية.

وكان لي ما حلمتُ به، بعد أشهر قليلة من زواجنا تعاهدتُ مع أبيكِ أنّنا سنُخلّد كل اللحظات الجميلة التي سنقضيها معًا، وسنجمع ذكرياتنا في صندوق يكون بالنسبة لنا الكنز الذي نحافظ عليه ما حيينا.

مضتْ السنوات، وكل سنة بل وكل شهر نضع فيه صورة أو بطاقة جديدة، فيها ذكرى جميلة، ولحظات لا تُنسى.

لكن حدث شيء أعاق إكمالي للقصة الرائعة التي كنتُ أعيشها، فبعد أن رُزقنا بكِ ببضعة أشهر، اضطر والدكِ إلى السفر للخارج؛ للدراسة ولتحسين أحوال معيشتنا. انتظرتُ طويلًا، كل مرة كان يقول لي: سآتي قريبًا، لا أسطيع العيش بعيدًا عنكِ وعن ابنتي أكثر من ذلك.

وفجأة انقطعتْ أخباره عني، فلم يعُد يتّصل عليّ كالسابق، راسلته مرات عديدة، لكن لا جواب. في يوم من الأيام اتّصل عليّ صديق له وأخبرني أنّه وجد رقم هاتفي في مفكّرة والدكِ؛ لأنه كان مُعتادًا أن يسجّل كل شيء مهم في مفكرّة.

وعندما سألته أين زوجي؟ لماذا انقطع عن مراسلتي؟ هل أصابه مكروه؟ ردّ بصوت يملؤه الحزن والأسى: أنا زميله في العمل، زوجكِ مفقود ولا أحد منّا يعرف إلى يومنا هذا مكانه، أو حتى سرّ اختفائه.

أيقنتُ يومها أنني لن أرى والدكِ مُجدّدًا، وحمدتُ الله أن لديّ ذكرياتنا؛ لألجأ إليها الفينة بعد الفينة علّها تُصبّرني.

أخبرتُ والداي بما حدث، وأصرّ والدي أن يصطحبنا إلى بيته. وبعد أيام أخذتُ الصندوق إلى حديقة المنزل، كما فعلتِ، ورأتني والدتي وأنا أدفنه، وبعد انتهائي سألتني: ما الذي كنتُ أفعله؟ فأجبتها بكلام يشبه جوابكِ لي؛ لذلك لمعتْ عيناي بالدموع بعد سماعي لما قُلته.

الذكريات يا ابنتي هي أجمل شيء نعيش معه ولأجله، وعلينا المحافظة عليها حتى لا نخسر كل اللحظات الفريدة التي لن تعود.

Join