طريق الياقوت


في مدائنٍ حمراء مرصعة بجبالٍ متبرعمة كالعراجين في الصحراء، مكسوة بنخلٍ كريمٍ يقي المارّة من صلف الصيف ويبقي الواحات حيّة. كان هناك شابٌّ كثير التأمل والتفكر ولطالما يجد نفسه خلسة يسرق من حاضره ليتسكع في خيالاته وهواجيسه دون قصد ونيّة كما لو أنه أصبح أمرٌ لا إرادي. فقد عُرف بهذه الصفة ولم تكن وصمة بل كانت بصمة. فالعالم من حوله سريع جدًّا وهذا الأمر من منظوره مرهق، وتتكرر في ذهنه أسئلة لا يجد لها إجابة ولكنها ترافقه أينما يذهب.


أين نجد كنز القناعة الذي لا يفنى؟

الوحدة سرابٌ أم محطة مقرونة بالعمر؟

هل في المشقة علاج أم مهرب؟

أنحن أتباعٌ للملذات أم أنها تتبعنا؟

أسنجد الحب أم أن الحب سيجدنا؟


تعاقبت الأيام ونحت العمر مسيرته على ملامحه ولا زال يتسكع في هدوء تأملاته، آملا بأن يجد إجابة وأن يتروى من حاضره. حتى آن يومٌ زهد فيه من حاله فأراد أن يحفر إجابة ليجد الخلاص، فلم تكن كل التأملات والأفكار جنّة يتكيء فيها بل بعضها كانت جحيمًا طنانًا، ولكن رغم ذلك كانت أحن عليه من حاضره المتسارع.

عزم أمره وشد رحْلَهُ واكتفى مِمَّن حوله صبرًا وإيمانًا بأن لا يعود حتى يجد ما ظن به موعود. في كل خطوة يخطوها يضمحل الأمان ويبطأ الزمان ويتغرب في المكان، ابن السبيل وناكر الجميل وهاجرٌ معترٍ جبان!

حتى اعتاد بأن كل يومٍ أقسى من أمسه وأشد وطأةً وأثقل حِملا، ولكنّ عزيمته أبقته حيًّا رغم غلاظة الظروف.


فإذا بكهفٍ أسودٍ في أحد الجبال كما لو كان ينادي المارّة باختلاف لونه وشدّة لمعته، فأراد أن يستكشف الكهف لعله يجد فيه إجابة ترضيه فتغنيه. دخل الكهف حبيًا فقد كان ضيقا وبالكاد اتسع له، فذهل مما رأى.. أكوامٌ من الجثث التي تراكمت فوق بعضها! الهواء مليء بالعفن والنتن ويتوسط هذه العظام صندوق كبير، هم به فوجد أنه مليء بالذهب والحلي والأحجار الكريمة. أراد أن يخرج الصندوق ولكنه أكبر من مدخل الكهف، حاول مرارًا وتكرارًا ولكن.. الصندوق كبير الحجم وثقيل جدًا، أخرج رغيفٌ متيبسٍ وبله بماءٍ ليتناول قوت يومه وليستعيد نشاطه فإذا به يسرح في هواجيسه فاستوعب أنه سيحل به ما حل بغيره لو استمر في الطمع. لا يستطيع اخراج الصندوق من الكهف فكيف سيحمله في سفره؟ هلاك لا مفر منه… فتح الصندوق وتأمله وأخذ منه ياقوتةً قرمزية وعاد لطريقه مقتنعًا كما لو أن عقدة انحلت في قلبه.


لم تكفيه صحبة المجوهرة في مسيرته، باتت أيامه خاوية باهتة لا صوت فيها ولا صدى. يقول لنفسه: ماذا إذن؟ صمت مصمت، فقط صوت احتراق أغصانٍ جمعها لترافق ليله البارد. صاح بالسؤال مرة أخرى: ماذا إذن!! فرد عليه صداه بنفس السؤال، فتريث بالإجابة والتفكير… قطع حبل أفكاره حمارٌ تبدو عليه آثار الهزال والمشقة، هم بأن ينهره ويبعده ثم تراجع فدعاه بوعاء من الماء فألفه الحمار وأصبح شريكه في الرحلة فلا يعلم ما هدفه وماذا حل به؟ ولكنهم الآن رفقة في مسيرة مشتركة، فالوحدة سرابٌ إن قمعتها ومحطة إن دعوتها. وهذه الفكرة تجلت في ذهنه لفترة يتأملها وحلّت عقدة ثانية في قلبه.


رغم وجود رفيقه الجديد إلّا أن رعايتهم لبعضهم زادت من مشقة الطريق. ولكنه لم يكن بالأمر المضجر فلهذه الصحبة منافع كذلك، فامتنانه لها ولرفيقه جعلت من المشقة علاجًا لهم. فلو لم يرى ذلك ؛لأصبح الأمر مجرد مهرب دون انتماء. وعندما انحلت عقدة ثالثة في قلبه تيقن أن مسيرته تجري في مجراها والمشقة ليست إلا ملحها.


دخلا قرية فأتاهم رجل يبدوا أنه رحالة يصيح ببهجة وذهول: حماري! لقد عاد حماري!

بكل صرامة رد عليه: فضلًا ابتعد عنّا فقد بلغنا من التعب ما يكفينا…

فإذا بالحمار ينهق بصوت لم يسمعه من قبل وركض باتجاه الرحالة ليضع رأسه بين ذراعيه.

تواردت الأفكار في ذهنه بسرعة افتقدها.. “لو كان كاذبا فما بال الحمار مبتهج؟” فأقر بأن يصدق صديقه الحمار ويعيد لم شمله براعيه الحقيقي، فقد كانا برحلة انقطعت بها سبلهم وسط عاصفة شديدة فأضاعا بعضهم الآخر.

دعاه الرحالة إلى الحانة كعربون شكرٍ وامتنان، فوجد طعامًا زكيًا قوّم به ظهره وازداد لمسيرته. على أرفف الحانة قوارير خمر بمختلف ألوانه وأنواعه فهذه القرية مشهورة بالخمّارات والبنات. فأتته فتاة باستحياء مرتدية رداء أحمر أشعل وشعر أسود كالليل مجدول وبشرة صهباء شفافة ترى الدم يطوف بها وفي كل خطوة تخطوها يجرس خلخالها، دعته ومدت يدها المحنّاة وبيدها الأخرى قدح له. قال له الرحالة: لا عليك، سأتكفل بذلك فقد أعدت لي أملًا مستحيلًا. قدحُ بيدها من أمامها وإذا به يتبعها من خلفها ممسكا بيدها حتى ذهبا لغرفة فاختلوا ببعضهم البعض.

قالت له: قل لي ماذا تريد فأشبعك حتى أرضيك.

قال لها: أنا ابنٌ للسبيل واليوم؛ لا أخاف الغد فأثمل من قدحك ولا أهرب من ماضٍ إلى كنفك.

هم بالرحيل ليكمل مسيرته وشعر بأن عقدة رابعة انحلت في قلبه..


مرت الأيام وأكمل مسيرته حتى عاد إلى قريته وملأه شعورٌ بالامتنان والراحة، وقضى تلك الليلة مع أفراد عائلته وأصحابه محتفلين بعودته بعضهم ظن أنه لن يعود وبعضهم خشي أن أصابه مكروه. فما ان تأمل هذا الاحتفال وبهجة القرية، تيقن أن الحب سيأتيك فيكفيك ولن تضطر بأن تجري له وتتزيف من أجله. ضم الياقوتة في يده بكل ايمان ثم همهم: سيأتي يومٌ أجد فيه من تليق بيدها خاتمًا. وانحل في قلبه عقدة خامسة وأخيرة.


رغم قلق المجهول وخوف المستقبل و حزن الماضي إلا أن هذه الرحلة كانت بمثابة بوصلة يقّنته من مسيرته وزرعت إيمانًا يستظل به في الأوقات الصعبة والمشاعر الجيّاشة. فما إن أراد إجابة واحدة إلا ووجد لها مئة رديف، فالمغزى ليس بالإجابة وإنما بالمبدأ واليقين والثقة حتى وإن طال الصبر لها...


النهاية.

Join