مقالة: المغامرة
مقدمة
ما الذي يدفع الإنسان إلى المجهول؟
فيترك سريره المريح وفنجان قهوته المفضل الذي لا يسقيه سوى من نخبة البن ولا يُعِد قهوته إلّا بأدواتٍ فارهة وحديثة. ويهجر مائدته المتنوعة من أجود الأطعمة وألذّها، ورفاهية الخدمات والتقنيات وسهولة الوصول لشتى الرغبات والاحتياجات مهما كانت أساسية أم ثانوية. ويشد الرحال بعيدًا عن مجتمعهِ ومكانتهُ فيه فيُفتقَدُ ويَفتقِد، لينفق من أغلى ما يملكه من مصادر، ماله ووقته وصحّته ؛سعياً بكل شغفٍ نحو المجهول.
قيمة المغامرة من حقيقة الدافع
ما هي تلك القوة العظمى التي تفرض على الشخص الخروج من أمانه إلى برٍّ مجهول؟ وهي ليست بسرٍّ عظيم اكتشفته للتو، على العكس تمامًا فقد كان أمرًا يسهل التفكر فيه بالقرون الماضية دون مشتتات القرن الحالي ووتيرة الحياة السريعة التي تسابق سرعة الضوء. فيتطلب من الإنسان أن يتفكر ويتمعن في ذاته حتى يصل إلى مرحلة الصدق والشفافية مع النفس وبالأخص في مبادئه ودوافعه، لأنهما كِفّتا ميزان. فإن فشل المرء في اتزان تلك الكفتين، ستجده يتخبط بعيدًا عن ما تحتاجه نفسه. فهناك من يهرب من نفسه وحاله، كما لو كان نعامة دسّت رأسها في التراب ظنًّا منها أنها في مأمنٍ دون أن تراعي باقي جسدها ولن يرويه ذلك أبدا وإن خيّل له. وهناك من يسخر هذه المغامرة والظروف الصعبة بأن تكون له قالبًا يتكيف فيه حتى يتشكل بالفائدة المرجوة اتباعًا لشعلة دوافعه بكل ثقة واطمئنان سعيًا لذاته في مسعاه الدنيوي النبيل.
ختامًا،
المغامرة مهذبة للنفس والروح والجسد
أرقٌ وإجهاد يذيقنا راحة أسرّتنا الناعمة، مأكلٌ ومشربٌ محدودان يهذّبان الشهية والإسراف، ومواقفٌ صعبة وحرجة ترغمك على الارتجال لتقدّر سكينة أيّامك. فالمغامرة ليست وسيلة هروب من فكرة أو شعورٍ ما أو أمر مقلق، فهي أسمى من أن تكون مخدّر مؤقت.وبعد كل مغامرة سيثمر فينا ما ينفعنا وتتساقط أوراقٌ وأغصانٌ لم نعد في حاجتها. خلاصة: المغامرة ليست إلّا أسلوبٌ للتفكر بالحال والأحوال والتأمل في الحاضر والتهذّب في حمد النعم، كي لا يعتاد الإنسان على نعمٍ وحالٍ فيظن أنّها حقٌ له وليست عليه وينسى فضل الله ومنّته ومبتغاه من الحياة الدنيا.